{ ونزلنا عليك الكتاب } وبعد الإجمال في الأمر والنهى فصّل بعضا في قوله تبارك وتعالى:
{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ } بالعهد الذى عاهدتم الله .
{ إِذَا عَاهَدْتُمْ } شامل للطاعة والمباح في الوعد والنذر بأى لفظ وشمل بيعة الإِمام اعتبارًا بما بعد ، فإن الآية مكية ، وإنما البيعة بالمدينة ، ولا يلزم من وجوب الوفاء بالشئ إذا كان أن يكون جائز الوقوع في الحال ، ألا ترى إلى قوله: إذا عاهدتم ، ودخل فيه بيعة الأنصار رضى الله عنهم الأولى والثانية والثالثة ، ودخل فيه كل ما قبلوه عنه A وحلف الجاهلية .
قال A: « كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة » وكانوا يتحالفون على التناصر ، فيبقى في الإسلام على الوجه الشرعى ، ونسخ الإرث به ، والآية نزلت في بيعته وهى على العموم ، وخصوص السبب لا ينقض عموم اللفظ .
{ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } ليس التوكيد قيدا فلا تنقض ، ولو لم تؤكد ولكن نزلت الآية وهم يؤكدونها ، فكانت على ما هم عليه ، وتوكيدها يكون بتكرير أسماء الله أو صفاته مثل: والله العزيز ، وقدرة الله وعزته وأفعاله عندى ، أو أراد بتوكيدها أنها بالله أو صفته أو فعله ، وأنها في طاعة أو مباح ، وأنها بقصد لا يغلط أو نسيان أو توهم ، أو لغو كقولهم: لا والله ، وبلى والله ، ولا شئ على من حلف على ما توهم فلا عليه وعلى معصية ، ويجب النقض فيها ، ويستحب فيما إذا رأى ما هو أفضل .
قال A: « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه » فالآية عامة خصصتها السنة ، وتجب المحافظة على الوفاء باليمين وإن نقضها وكفر فقد أساء ، لأن ذلك كالتهاون ، قال الله D: { واحفظوا أيمانكم } وعموم آية السورة حجة أيضًا ، والتوكيد والتأكيد والتأكيد بالواو بالهمز لغتان ، وقيل: الهمز بدل منها .
{ وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاَ } صامتًا بالوفاء ، أو شاهدًا ورقيبا ، وذلك استعارة أو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم ، وكذا الجعل ، ويجوز إبقاء كفيلا على ظاهره تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته ، وأنه يسلمهم لها كما سلم الكفيل من كفله . والجملة حال من واو تنقضوا ، وقد يراد بالعهد ما ذكر قبله ، والأيمان وخصهما بالذكر بعد .
{ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من إيفاء ونقض وسائر أعمالكم ، أو من جعلكم الله عليكم كفيلا ، وذلك تهديد وتخصيص علىلوفاء وعدم النقض .