وأتمه بقوله: { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } العليم بالأقوال والأصوات ، { الْبَصِيرُ } العليم بالألوان والأعراض والأطوال ، والغلظ والرقة والقصر ، والحركات والسكنات ، وبالاعتقاد ، فهو يقرب سيدنا محمدًا A درجات ، ويكرمه ، وقيل: سميع لقول سيدنا محمد A ، بصير بأفعاله ، وذلك يتضمن التهديد لمن ينكر إسراءه من الكفار ، وكان الإسراء إلى أرض المحشر ليطأها بقدمه للبركة على أمته إذا كانوا فيها ، وليصلى خلقه فيها الأنبياء كلهم والملائكة ، قيل: وروح كل مؤمن ، والإسراء بجسده وروحه على الصحيح ، لأنه أعظم في الكرامة ، ولو كان بروحه أو في المنام لم يعتجب الكفار ذلك التعجب المفرط ، ولم ينكروه ذلك الإنكار الكلى حتى ارتد بعض من آمن .
نعم قيل سرى بروحه في النوم قبل ذلك بسنتين ، ثم سرى بجسده ، ولم ير الله ولم يكن شئ مما يخالف صفات الله جل وعلا ، سرى بدابة بيضاء تسمى البراق لصفائها أو سرعتها كالبرق ، ليست بذكر ولا أنثى ، وفى العبارة تذكر لمعنى الحيوان مثلا ، وتؤنث لمعنى الدابة وهو من الجنة ، سرى به من مكة إلى بيت المقدس ، ومنه إلى كل سماء عروج ، فذلك سبع ، والثامن إلى سدرة المنتهى ، والتاسع إلى الكرسى ، والعاشر إلى العرش ، حمل من الحِجر بين النوم واليقظة ، فما استوى على البراق إلا استيقظ أو ذلك بعد ما صلى العشاء ، وذلك قبل الهجرة بسنة .
ولما كذبوه أخبرهم بصفة بيت المقدس وأبوابه بعد أن مثل له عند دار عقيل ، إذ لم يراع وصفه حين كان فيه ، وبصفة البعير الذى يقدم أَولا ، والبعير الذى نفر فانكسر ، وشربه ماء القدح ، وصدق أبو بكر أول ما قيل له: إنه كان في بيت المقدس ، وقال: إن قال فقد صدق ، وإنا لنصدقه في خبر السماء من العرش بلحظة ، فقيل سمى صديقًا لذلك .
وقد قالت المهندسون: الشمس تساوى الأرض مائة ونيفًا وستين مقر ، ومع ذلك نشاهد طلوعها بسرعة في زمان لطيف ، فكيف يستبعد الإسراء ، وذكر بعض أن الإسراء في ليلة والعروج في ليلة ، وبعض أن الإسراء في اليقظة والعروج في النوم ، وبعض أن الإسراء وقع مرتين مرة بروحه ، ومرة بجسده في يقظة ، وبعض أن الإسراء أربع مرات .
والحق أنه مرة في اليقظة يتصل به العروج في ليلة واحدة ، وقصتها طويلة بسطتها في شرح القصيدة النونية:
تيمم نجدًا في تلهفه الجانى ... يؤم رسول الله للإنس والجان
وفى هميان الزاد .