ولما فرغ قصدوه بالقتل فهرب ، فانفلقت له شجرة فدخل فيها ، وأخذ الشيطان هدبة من ثوبه فأراهم إياها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه ، وقيل مات زكرياء على فراشه فيقتصر على ذكر يحيى في المرة الأولى: واستخلف الله منهم ناشبة بن أحوص ، وبعث لهم أرمياء بن حلفياء نبيا من سبط هارون ، ويقول إنه الخضر ، وأحدثوا واستحلوا المحارم ، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بضم الهمزة وشد الياء ، وقيل بضمها وكسرها ، وتخفيف الياء أن يذكرهم نعمه ، ويعرفهم بأَحداثهم ألهمه الله D خطبة بليغة ، وفى آخرها يقول الله D: إنى حلفت بعزتى لأفيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ، ولأسلطن عليهم جبارًا ذا هيبة ، أنزع الرحمة من قلبه ، يتبعه من العساكر مثل سواد الليل المظلم ، وهو يخت نصر فقتلهم وقتل علماءهم ، وأحرق التوراة ، وخرَّب بيت المقدس ، وألقى فيه الجيف ، وسبى سبعين ألفا إلى بابل ، فمكثوا فيها سبعين سنة ، ثم سأل عن بيت المقدس وقتلاه فقيل بيت الله .
وعصوا الله فسلطه الله عليهم وهؤلاء السبعون أنفًا من ذرية الأنبياء ، فقال أخبرونى كيف أصعد إلى السماء: وأقتل من فيها ، وأملكها وإِلا قتلتكم فقالوا: لا يقدر أحد على ذلك ، وتضرعوا إلى الله D ، فأدخل الله بعوضة في منخره حتى عضت بأم دماغه ، فما يسكن حتى يطأ على أم دماغه ، ومات وشقوه فوجدوها عاضة فيه ، وذلك انتقام ، وإظهار لقدرة الله D .
ورجعوا إلى الشام وبنوا وكثروا ، ولا نسخة من التوراة لهم ، فبكى عزير فقال له رجل وهو ملك: ما يبكيك؟ قال فقد التوراة ، وبها قوم دين الله D ، قال: أتحب أن ترجع إليك ، فارجع إلى موضعك ، وتطهر وسم ، ففعل فأناه بإتاه بإناء ماء فشربه ، فمثلت التوراة في صدره ، ووجدوا نسخة في موضع فقرأ وقابلوه بها ، ولم يغير حرفًا ، ثم بعد ذلك أحدثوا ، وقتلوا زكرياء ، وقيل قتلوها ويحيى ، وقصدوا قتل عيسى والثلاثة من آل داود .
{ وَلَتَعْلُنَّ } تتكبرون على أهلها بالظلم لهم في أبدانهم وأموالهم ، وأعراضهم ، وعن طاعة الله ، واتباع الحق .
{ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ } حان وقرب .
{ وَعْدُ أُولاَهُمَا } وعد عقاب المرة الأولى ، أو الوعيد أى التوعد به ، أو وعيد بمعنى الوقت لوح بالعقاب في ذكر الإفساد والعلو ، وذكره كذكر المعهود المذكور ، وفى ذلك استعمال الوعد في الشر كما يستعمل في الخير وهو شائع في القرآن ، ودل على إرادة العقاب قوله تعالى:
{ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } قوة وشدة في الحرب ، وذلك تأكيد كظل ظليل ، أى شدة شديدة ، أو جزء من الشدة شدة ، وذلك تجريد بديعى ، وهو مبالغة ، وهم بخت نصر عامل هراسف على بابل وجنوده ، وقيل العمالقة أو جالوت الخرزى البربرى ، أو سنجاريب من أهل نينوى ، أرسل الله إليهم ملكًا يأمرهم من الله بقتل بنى إسرائيل لعتوهم أكثر من عُتُوّ المشركين ، أو وسوس الشيطان إِليهم بأن يقاتلوا بنى إسرائيل ، وذلك خلق من الله فسماه بعثًا بعثهم الله إِليهم حين كذبوا أرمياء ، وجرحوه وحبسوه ، واختاره بعضهم .