{ فَجَاسُوا } استقضوا في التفتيش عمن يجدونه ويقتلونه ، أو يأسرونه ، ويأخذون ماله .
{ خِلاَلَ الدِّيَار } فردًا وجمع خلل كجيل وجبال ظرف ، أى منفرج الديار ديار بلاد بيت المقدس ، قتلوا الكبار ، وسبوا الصغار ، وحرقوا التوراة ، وخربوا المسجد ، و ذلك كله خلق من الله وتسليط للكافرين على المؤمنين ، كما يسلط الله الحية والعقرب والأسد على من شاء ، وذلك انتقام من بنى إسرائيل لمعاصيهم على يد ظالم ، ومنعت المعتزلة تسليط الكافر على المؤمن ، وأولوا البعث بعدم المنع فعندهم أن ذلك خلق من بخت نصر وجنوده ، والله يرى . من ذلك فلزمهم أن يكون غير الله خالقًا ، و أن يكون في الوجود ما لم يقرره الله .
{ وَكَانَ } أى الجوس خلال الديار ، أو كان وعد العقاب ، أو كان وعد أُولاهما .
{ وَعْدًا مَفْعُولًا } لا يتخلف ، والجمهور على أن هؤلاء العباد ، خربوا بيت المقدس ، وقتلوا بنى إسرائيل قتلا ذريعًا ، وأسروهم وأحرقوا التوراة .
وعن ابن عباس ومجاهد: جاسوا خلال الديار ، وانصرفوا بلا قتل ، وكان بيت المقدس مبنيًّا لسليمان بالذهب والفضة والياقوت والزمرد ، وسائر الجواهر ، تأتى بذلك الجن من معادنه ، وبنوه له وأخذه بخت نصَّر المجوس إلى بابل مع سائر الغنائم على سبعين ألفًا ومائة ألف عجلة ولملكه سبعمائة سنة ، وسبى الأطفال والنساء وغيرهم ، واستخدمهم مائة سنة ، فسار ملك من المجوس يوحى الله إليه أن يستنفذ من بقى منهم ، ويستنفذ الذهب والفضة ونحوهما ، ويرجعهم إلى بيت المقدس كأول مرة .
ثم رجعوا إلى المعاصى ، فغزاهم قيصر ملك الروم في البر والبحر ، فسباهم وقتلهم ، وأخذ الأموال والنساء ، وحمل تلك الأموال على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة ، وأودعه كنيسة الذهب .
قال القرطبى: وهو فيها حتى يأخذه المهدى ، ويرده إلى بيت المقدس ، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة ، يرمى بها على بابل حتى ينقله إلى بيت المقدس كما قال:
{ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ } إذ تبتم وأحسنتم ، والمراد نرد لكم لكن عبَّر بالماضى لتحقق الوقوع ، لأن الرد لم يقع وقت الإخبار ، بل بعد مائة سنة ، واللام للتعدية والنفع ، ولا داعى إلى كونها للتعليل كما هو ظاهر ، وكما يناسب مقابلة لفظ عليهم بعد .
{ الْكَرَّةَ } الدولة وأصله الرجوع ، سميت لأنها تجئ بعد العدم { عَلَيْهِمْ } على الذين بعثوا عليكم من المجوس ، بأن ألقى الله الشفقة عليهم في قلب بهمن بن أسفنديار لما ورث الملك من جده كشاسف بن لهراسف ، فردهم إلى الشام وملْك عليهم الله D دانيال ، وقتل بواسطة أمر بهمن ، بذلك ألقى الله الشفقة في قلبه ، فرد بنى إسرائيل إلى الشام فاستولوا على من كان في الشام من أتباع بخت نصر ، وقيل: تزوج امرأة إسرائيلية ، فطلبت أن يردهم إلى الشام ، فردهم فكانت فيهم أنبياء ، وكانوا أحسن مما كانوا قبل ، وقيل: سلط داود على جالوت ، ورد بأنه لم يكن مسجد الشام قبل داود ، فضلا عن أن يدخلوه أول مرة كما قال الله سبحانه وابتدأ بناءه بعد قتل جالوت ، ولم يتمه وأتمه سليمان ، وأجيب بأن حقيقة المسجد الأرض .