« الزكام أمان من الجذام » ، ونزولها في الحديبية لا ينافى عموم الحكم ، فإن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم ، لعموم اللفظ ، وإلا فالآية في العدو فقط لقوله { فإذا أمنتم } فيقاس عليه غيره ، هذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة ، ويدل له قوله A لا إحصار إلا من فرض أو عدو أو أمر حابس ، وهو عموم ، قال عروة: كل شىء حبس المحرم فهو إحصار ، وروى عن بعض الصحابة من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض بجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى ، وأهلَّ عمر بن سعيد بعمرة فلسع ، فقال ابن مسعود: ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم إمارة ، فإذا كان ذلك فليحل ، وخص مالك والشافعى الحكم بحصر العدو لقوله « فإذا أمنتم » وقول ابن عباس ، لا حصر إلا حصر العدو ، ويعترض بالحديث المرفوع قبل هذا ، وليس ضعيفا ، قيل لأنه روى من طرق مختلفة ، وإن شرط الحاج محلى حيث حبست ، فلا هدى عليه إن حبس بعدو أو غيره ، لقوله A لضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب ، حجى واشترطى وقولى محلى حيث حبستنى يا ألله ، والأصل أنه لا يختص هذا بها بل هو لها ، ولغيرها عند أحمد ، وأحد قولى الشافعى ، والحديث حجة لنا ولأبى حنيفة أن غير العدو كالعدو في الآية ، والعمرة كالحج { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ } فالواجب ما استيسر أو فعليكم ما استيسر ، أى تيسر من شاة ثنية أو بقرة أو بعير ، قال ابن عباس ، وما عظم فهو أفضل ، وعن ابن عمر الهدى بقرة أو جزور ، ولا تكفى الشاة ، والهدى بمعنى الهدى ، وهو ما يسوق الحاج أو المعتمر هدية لأهل الحرم بموجب كما ن أو بلا موجب { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ } للنحل كمالا تحلقون لغيره إلا الضرر { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ } المستيسر المذكور { مَحِلُّهُ } هو موضع حلوله المعهود ، وهو منى ، أيام منى ، أو الحرم مطلقا ولو قبل أيام منى ، عندنا وعند أبى حنيفة ، وبوقت لذبحه ، فإذا كان الوقت الذى حد لرسوله احتاط وحلق ، وعن ابن مسعود ، لدغ رجل محرم بعمرة فأحصر ، فقال: ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم إمار ، أى إمارة ، وعن أبى حنيفة إن كان حاجا فبالحرم متى شاء ، ويجعل يوم إمار ، وعند أبى يوسف ومحمد في أيام النحو وإن كان معتمرا فبالحرم في كل وقت عنده وعندهما ، وقال الشافعى ينحر حيث أحصر ، ولو في الحل ، فمحله عنده موضع حلول المحصر ، وبتقوى مذهبنا بقوله حتى يبلغ ، وعلى المحصر الحج أو العمرة أو كلاهما من قابل ، كما تقضى الصلاة والصوم ، وكما اعتمر A من قابل ، وهكذا شأن النفل إذا دخل فيه صحيحًا وقطع أعيد كما يوفى بالنذر والوعد بل زاد بالدخول ، واحتج الشافعى في عدم وجوب القضاء بأَن الله لم يذكر القضاء ، قلت: يلزم عليه أن لا يلزم قضاء ما وجب من حج أو عمرة إذا أحرم به وأحصر عنه ولا قابلا بذلك ، وإنما لم يذكر لأن المقام لشأن الإحصار لا لبيان كل ما يجب عليه ، ووجه اللزوم أن الآية في الإحصار مطلقا لا في الإحصار عن النفل ، خاصة ، واحتج الشافعى في أن النحر حيث حل بالحبس أن النبى A نحر حين حبس في الحديبية ، وهى من الحل ، كما قال مالك ، فأجيب بأنها من الحرم ، كما قال الزهرى عن رسول الله A أن الحديبية من الحرم ، فقال لذلك إن رسول الله A نحر هديه بالحرم ، وبه قال أبو حنيفة وصحح أرباب الحديث أنها من الحل ، ويجمع بأنها في طرف الحرم كما قال الواقدى على تسعة أميال من مكة { فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا } مرضا يحوجه إلى الحلق ، وأما المرض الذى لا يحوجه إلى الحلق فكلا مرض بالنسبة إلى الحلق ولو اشتد ، ومعنى الفاء التفريع على ما قبلها ، فإنه يلزم مه منع الحلق حتى يبلغ الهدى أنه لا بده من كفارة على الحالق ولو لعذر { أَوْ بِهِ أَذًى } جملة معطوفة على مريضا ، وساغ لأن مريضا خبر كان ، أو يقدر أو ثابتًا به أذى ، عطفا لثابتا على مريضا ، فأذى فاعل ثابتًا أو فاعل به ، وأما أن تعطف الاسمية على كان الخ فلا إلا إن جعلنا من موصولة جعلت في خبرها الفاء لعمومها كالشرطية لا شرطية لأن الأداة الشرطية لا تليها الاسمية ، خلافا للأخفش والكوفيين ، ودعوى أنه يغتفر في الثنوانى ، كالعطف هنا ، ما لا يغتفر في الأوائل لا تتم لأنه أتاه الوجه منه ، وذلك لجراحة وقمل { فَفِدْيَةٌ } فعليه فدية ، وهذا التقدير مطرد ، وإنما جاز أن يقدر ، فالواجب فدية ، لأن النهى عن الحلق بشير إلى واجب على الحالق ، فبينه بقوله الواجب فدية { مِّنْ صِيَامٍ } أى هى صيام ثلاثة أيام { أَوْ صَدَقَةٍ } اثنى عشر مدًّا من غالب قوت مكة على ستة مساكين من أهلها { أَوْ نُسُكٍ } يفرقه لأهل مكة الفقراء ، ذبح شاة ثنية فإن شاء فبقرة أو بعير كذلك إن حلق ، أو يقدر ، فمن كان منكم مريضًا وحلق ، وكل فعل مناف للإحرام ففيه ذلك إذا فعل لأذى كلبس المخيط والتطيب ، وإن فعل لغير أذى فشاة ، وقال الشافعى كحكم الآية ، والحلق كناية عن التحلل ، فإن معنى لا تحلقوا رءوسكم ، لا تحللوا ، والآية على التخيير ، قال عبدالله بن مغفل قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد ، يعنى مسجد الكوفة ، فسألته عن قوله تعالى: { ففدية من صيام } الآية فقال: حملت إلى النبى A والقمل يتناثر على وجهى ، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا ، أما تجد شاة؟ قلت: لا ، قال عليه السلام: فصم ثلاثة أيام ، أو اطعم ستة مساكين واحلق رأسك ، فنزلت فىَّ خاصة ولكم عامة ، وتقديم الشاة بوجدانها استحباب منه A لا ترتيب ، وأجاز بعضهم الإطعام في غير مكة ، وأما الذبح ففى مكة خاصة ، وفى رواية احلق وصم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق أو انسك بشاة والفرق اثنا عشر مدًّا ، ثلاثة أصوع ، والصاع ثمانية أرطال بالعراقى؛ وقال أبو يوسف خمسة أرطال وثلث ، وهو قول الشافعى ، لقوله A صاعنا أصغر الصيعان وعنه A كان يتوضأ بالمد رطلين؛ ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وكذا كان صاع عمر رضى الله عنه؛ وهو أصغر من الهاشمى ، وكانوا يستعملون الهاشمى ، { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } الخ عطف على قوله أحصرتم الخ ، أى إذا أمنتم من العدو وبأن ذهب هذا العدو وظننتم أنه كان وأمنتم من المرض ونحوه ولا إحصار في ذلك ولا حكم إحصار أى أمنتم الإحصار وسائر الموانع أو كنتم في الأمن من ذلك { فَمَنْ تَمَتَّعَ } انتفع { بِالْعُمْرَةِ } بسبب الاقتصاد على العمرة والتحلل منها بالطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس والجماع وصيد الحل وقطع التفث والزينة والطواف بالبيت كلما شاء ، سواء أحرم بها وحده أو مع الحج ، ثم فسخه ، أو بالحج ، ثم فسخه إلى العمرة وذلك كله في أشهر الحج ، وقيل بإتمامها في أشهره مع أنه لم يعد إلى الميقات للإحرام بالحج ، ولا إلى أهله أو مثل أهله في العبد ولم يكن من أهل الحرم ، وأنه حج من عابه وبالتقرب إلى الله بعقد الحد في عامه في ذلك العام { إِلَى الْحَجِّ } مستمرًا بتمتعه إلى الحج ومنتهيًا تمتعه أو تحلله إلى أن أحرم بالحد ولو بلحظة وذلك أن الدم يلزم بالحل منها { فَمَا اسْتَيْسَرَ } فالواجب أو فعليه ما استيسر { مِنَ الْهَدْىِ } شاة ثنية أو بقرة أو بعير كذلك يتصدق به في الحرم مطلقا بعد الإحرام بالعمرة والإحلال منها لا قبل الإحلال ، وقيل بعده وبعد الإحرام بالحج ، والأولى أن يكون يوم النحر أو أيام التشريق { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } هديا أو ثمنه أو كليهما { فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ } فى حال الإحرام بالحج ، فيجب أن يحرم قبل السابع من ذى الحجة لكراهة صوم يوم عرفة ، لئلا يضعف عن القيام والدعاء ، وإن كان لا يضعف لم يكره ، ولا تؤخر هى أو بعضها لما بعد يوم النحر ، ولا يجوز صوم يوم النحر وأجيز صومها في عشرة ذى الحجة ولو قبل الإحرام بالحج فتؤخر رجاء وجودى الهدى إلى أن تبقى ثلاثة قبل يوم النحر ، والواضح أنه لا يصومها إلا وهو محرم بالحج في العشرة أو قبلها والراجح في العشرة ، وعند الشافعى ، كل حق ما لى تعلق بسببين يجوز تقدمه على ثانيهما فجاز ، ولو عندهم تقديم الذبح للمتمتع على الإحرام بالحج ، ورجحوا إيقاعه بعد الإحرام ، والسببان العمرة في أشهر الحج والإحرام بالحج بعد التحلل منها بخلال صوم التمتع فلا يجوز عندهم تقديمه على الإحرام بالحج .