والصحيح أنهما كانا رجلين موجودين فقيل: كانا أخوين إِسرائيليين كافر اسمه قرطوس بقاف مضمومة ، وقيل: بفاء مضمومة ، وقيل: قطفير ، ومؤمن اسمه يهوذا ورثا من أيهما ثمانية آلاف أنصاف ، فاشترى الكافر بسهمه ضياعًا وعقارًا ، وجعل المؤمن سهمه في وجوه الخير ، وقيل: كلنا حدادين ، جمعا مالا: ويروى أن الكافر اشترى أرضًا بأَلف ، فتصدق المؤمن بألف الأرض في الجنة ، ودارا بأَلف ، فتصدق المؤمن بألف لدار في الجنة ، وتزوج امرأة بألف فتصدق المؤمن بألف للحور ، واشترى خدمًا بألف ، فتصدق المؤمن بألف لولدان الجنة ، وكل ذلك بقول: اللهم ، وافتقر وتعرض لأخيه في طريقه ، فمر به مع حشمه ، فوبخه على تصدقه ، ولم يعطه .
وقيل: الرجلان أخوان من بنى مخزوم ، بطن من قريش ، وقوله تعالى: لصاحبه ، لا ينافى الأخوة كافر ، وهو الأسود بن عبد الأشد بالشين المعجمة ، وبعض ضبطه بالمهملة ، ومؤمن وهو أبو سلمة عبد الله ، زوج أم سلمة قبل النبى A ، بفتح سين سَلَمة ، ولامه في أبى سلمة ، وفى أم سلمة ، وهى من أمهات المؤمنين .
{ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ } مستأنف تفسيرًا للمثل أو نعت لرجلين مفيد للتمثيل ، والمعنى سنانان من شجر الأعناب على تقدير مضاف ، والأعناب شجر العنب مجازًا ، أو يقدر مضاف أى من شجر أعناب .
{ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } جعلنا النخل حافة بهما أى محيطة ، والجنة عبارة عن شجرها فبيَّنها بقوله: « من أعناب » ومن للبيان ، أو يقدر شجرها من أعناب ، والنخل مقوّ لها ، فالعنب أشرف من التمر ، والتمر أشرف من غيره ، والنخل خارج عن الجنتين ، لأنهما جنتان بالغيب ، والنخل أحاط بهما ، ويقال: حفَّه القوم أحاطوا به ، وحففته بالقوم حطتهم حافين ، فالباء للتعدية إلى مفعول ثان كهمزة التعدية ، كأنك قلت: أحففتهم إياه ، أى جعلتهم حافيته بنصب محل الهاء على المفعولية ، وتعديته بالباء أولى منها بالهمزة ، والمراد كل جنة منهما مدور عليها بنخل على حدة .
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا } بين كل جنة ونخيلها ، والأخرى ونخيلها { زَرْعًا } فيحصل من ذلك القوت العظيم والبقول كل وقت بما ناسبه من المحروث ، ولا يحتاج مالكهما إلى غيرهما ، لأن ذلك بُرّ أو شعير أو نحوهما ، وفواكه وعنب ولا يختص الزرع بنحو البُرّ ، بل يصدق أيضا بنحو البطيخ والزرع ، بمعنى الصدرية أى قبول الحرث ، أو مفعول أى تنبت بينهما ما يحرث ، أو يقدر أرض زرع .