ويجوز أن تكون نكتة التكرار التحقير لهم بذكرهم باسم الأهل مرتين ، وصفهم بالإباء ، إِذا أردت تقبيح عمرو بتأكيد قلت عمرو بخيل ، عمرو جبان ، وكون المعرفة عين الأولى هو الأصل ، والكثير لا واجب ، ولذا صح أن يكون الثانى غير الأول ، أو يقال الأهل الأول البعض ، والثانى أعم إِذ في إبداء دخول الرية لا يمكن إِتيان أهلها ، ولا سيما أنه روى أنهما دخلاها عند غروب الشمس فذلك مرور على بعض والأكثر صُبحا .
وروى أنهما يمشيان على مجالسهم يستطعمانهم ، ولو جئ بالضمير لفهم أنهما استطعما البعض ، وقيل: الأهل الأول الجميع ، وإِتيانهم الوصول إِليهم ، والحلول فيهم ، والثانى البعض سؤالهم كلهم متعذر ، والظاهر أنهما سأَلا بعض الرجال .
وعن أبى هريرة: أطعمتهم امرأة من بربر إِذ امتنع الرجال ، فلعنا رجالهم ، ودعوا لنسائهم ، والله أعلم بصحة ذلك ، واختار بعض أنهما استطعما الرجال المعتبرين بظاهر حالهم ، فأبوا وغيرهم أولى بالإباء بحسب المعتاد ، والأهلان واحد ، وذكر بعض أَنه أعيد الظاهر لئلا يلتقى ضميران . وهذا مما يذكر ليرد لكثرة ذلك في القرآن وغيره ، ومن ذلك فدعوهم وقوله: { فأَبوا أن يضيِّفوهما } ولم أو من أجاب النظم ، فأجبت بأبيات على أَنه قد يوجد في الإسقاط ما لا يوجد في الإسقاط وهن:
خذ الحِكْمة الغَرَّاء استطعما لما ... يلى صفة وجها لأهل اللسان
ولو جئ بالضمير لم يلف رابط ... من اللفظ موجود ولا منه فانى
وجوّز أن يكون نعتا لأهلها ... ورجّح أول وضعّف ثانى
ويربط باسم ظاهر هو أهلها ... كقولك عبد الله قام ابن جانى
ميدًا بعبد الله وابن لواحد ... فذلك معنى فيه لا معنيان
وإن طلاب الطعم من عرض ولو ... جوابا جعلت كان قصد جنان
بذات حشاهما وقال جواب ما ... تقدم من شرط هما قاصيان
وفى جعله نعتًا لأهل إِشارة ... إلى شرح حالهم وليس بدانى
فإن الكلام سِيق بعد لقرية ... وليس لأهلها كما في العيان
أو الأهل غير الأوَّلين بعينهم ... أو لبعض منهم فذا مسلكان
وليس ذلك عندى ، ولكن أجبت على مقتضى جواب السبكى ، وهو المسئول إذ لا مانع من أن يكون استطعما جواب إِذا بأن ذكر الله قعنهما على ترتيبها في الوجود ، ويعلم من خارج أن مقصودهما بالذات ليس الطعام ، مع أنه جرى ذكر الأهل أكثر مما جرى ذكر القرية ، فانظر قوله: { أبوا } وقوله: { يضيفوهما } وقوله: { لاتخذت عليه أجرًا } فبان الآخذ عنهم لا عنها ، وقوله: