وفى أبوا أن يضيفوهما تشنيع ليس في أبوا أن يطعموهما ، لأن الكريم قد يغفل عن السائل أو يرده ، ولا يعاب عليه مثل ما يعاب عليه إذا رد الوارد ضيفا ولا يرد الضيف إلا اللئيم ، ومن أعظم ما تهجو به العرب البخيل قولهم: فلان يطرد الضيف ، ودونه يحرم الضيف ، وشر القرى التى لا يضاف فيها لابن السبيل حقه .
وذكر بعض أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول الآية ، أتوا إِلى النبى A يحمل من ذهب وقالوا: خذه وقيل: أتوا أن يضيفوهما بالمثناه الفوقية ، بدل الموحدة ، وقيل: أتوا في زمان علىّ ، ولم يصح شئ من ذلك ، ولو صح لكان أخبث لهم من الشح ، إذ طمعوا أن يبدل النبى A ، أو على القرآن ، ولو بالدنيا وبإِسلام أهلها كلهم ، وعطف على أتيا بقوله:
{ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا } على الشارع ، بأن التجآ إليه في ليلة باردة ، إِذ لم يجدا مأوى ، وطوله إِلى السماء مائة ذراع عن وهب بن مغبه ومائتا ذراع عن الثعلبى ، وعلى الأرض خمسمائة ذراع ، وعرضه خمسون ، يمرون تحته خائفين .
{ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } ينفعل من القض ، بمعنى الكسر ، والمراد السقوط بسرعة والسقوط من لازم الانكسار ، أو من الفضة وهى الحصى الصغار ، يقال: طعام قضض إذا كان فيه الحصى ، والمعنى يريد إِن يكن حصى بابًا لتفتت ، ومن لازم ذلك أن يسقط أو افعل بشد اللام من المقض ، وفيه أن فعل بشدها في الألوان والعيوب ، كأخولّ بشدها ، ويضعف أن يقال: الانقضاض ملحق بالعيوب ، لأنه ليس موضوعًا بالذات للعيب ، ونسبة الإرادة إلى الجدار ، وإِسناد الإرادة إلى الجدار ، مجاز عقلى ، لأن إرادة الشئ سبب لقربه ، وبلزوم قربه ، فالمراد قرب وقوع الجدار ، أو استعارة بأن شبه قرب السقوط بالإرادة لجامع الميل ، أو شبه الجدار بالإنسان أو الحيوان الآخر ، ورمز إلى التشبيه بلازم الحيوان ، أو الإنسان ، وهو الإرادة .
وفى أصول الفقه أن محمد بن داود الأصبهانى منع المجاز في القرآن ، فرد الضمير إِلى الخضر أو موسى أو الجدار ، على أن الله خلق فيه الإرادة ، وذلك تكلف .
وقال أبو حيان: لا يصح منه إنكار المجاز ، ولو صح عن أحد إنكار المجاز في القرآن لقلنا إنه أهل لأن يكون للحوافر والأظلاف مجازًا ، وينافى إِرادتهما أن ينتقض .
{ فَأَقَامَهُ } إِلا أن يتكلف أن الخضر أراد هدمه ، ثم ظهر له أن يصلحه ، وأما موسى فلا وجه لإرادته أن ينتقض ، وعن أُبىّ بن كعب: أنه قرأ رسول الله A: « يريد أن ينقض فهدمه ثم يبنيه » ، وعن ابن عباس وابن جبير أقامه بمسحه بيده ، وقيل: أقامه بعمود عمده ، وقال مقاتل: سواء بالشيد .