فهرس الكتاب

الصفحة 2490 من 6093

{ يا أبت إِنِّ أخافُ أن يمسك عذاب من الرَّحمن فتكون للشيطان وليًا } والخوف هنا العلم ، عبر به مجاملة له ، واستنزالا أو على ظاهره إذ لا جزم بأنه يصيبه عذاب الدنيا ، ولا بأن يصيبه عذاب الآخرة لإمكان أن يؤمن ، ونكر العذاب للتعظيم ، أو للتقليل تلويحًا بأنه لا طاقة له على قليل منه ، وذكر الرحمن مع أن الرحمن تستدعى عدم العذاب ، لأنه المذكور قبل ، وللاطماع بأن الرحمة باقية له على كل حال ما لم يمت مصرًا ، ولأن العقوبة من الكريم أشد ، لأن فيها اعتبار جحود نعمة ، وإلغائها وللإشارة بأن كونه رجيمًا لا يؤمن المكر من العذاب وإلى أن العذاب ليس انتقامًا لشىء ضرى إذ لا يضرى شىء ، بل حكمة ، وبأن الرحمة سبقت الغضب ، ولا دلالة للمس على تقليل العذاب لقوله تعالى: { لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } ومعنى كونه وليًا للشيطان أنهما يقرنان في فى العذاب ، وفى هذا تغليظ عليه بعد ما ألان وهو من نفس الرحمة ، لأن المراد انزجاره عما يضر إلى ما ينفع قال بعض:

فقسا ليزدجروا ومن يك حازمًا ... فليقس أحيانًا على من يرحم

وفى قوله: { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } حجة عقلية ، وفى قوله: يا { أبت } تحبب وترغيب في التوحيد ، وتمهيد للانتباه ، بنهمه أولا على ما يمنع من عبادة الأصنام ، ثم أمره باتباعه في الإيمان ، ثم بأن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ، وختم الكلام بالوعيد الزاجر ، وكأنه قيل: فما حال أبيه بعد ذلك الوعظ العظيم الطويل ، فقال الله جل وعلا:

{ قال } أبوه مصرًا مقابلًا لاستعطافه بالغلظة { أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم } راغب مبتدأ ، وأنت فاعله أغنى عن خبره لتقدم الاستفهام ، وهو هنا توبيخى تعجبى ، وعن آلهتى متعلق براغب . ولا يضر الفصل بأنت ، لأنه فاعل كما يفصل الفاعل الفصل عن المفعول ، وهو الأصل ، ولو أغنى عن الخبر ، أو راغب خبر ، وأنت مبتدأ . لا يضر فصل أنت . لأن راغب في رتبة التأخير عن أنت ، والأصل أأنت راغب عن آلهتى ، وعن التخليط تقدير لفظى راغب آخر بمد أنت ، يفسره المذكور تحرزًا عن هذا الفصل ، بل المبتدأ ليس أجنبيًا من الخبر من كل وجه ، ولا سيما أن المفصول الجار والمجرور ، وهم يتوسعون فيهما وفى سائر الظروف ، وليس في جعل أنت مبتدأ إلباس بالفاعل بل اللفظ إجمال إذ في كل وجه خلاف الأصل الرفع بالوصف لما يغنى عن الخبر ، خلاف الأصل وكونه خبرا مقدما خلاف الأصل بخلاف قام زيد لو جعل خبرًا مقدمًا ، فإنه إلباس بالفاعل ، وعلى كل حال جعل راغب تاليًا للهمزة ، لأن محط التوبيخ والتعجب بالذات الرغبة عن الآلهة ، وراغب للحال أو للماضى المستمر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت