وانظر أى تخيير في الحديث فكأنه فهم أن اليهودى أثبت الرسالة لسيدنا محمد الى غير اليهود ، وفضل موسى عليه ، والصحابى أراد تخييره A على موسى عليه السلام ، وهو على قدر سعة السماء السابعة ، فيكون ما رواه أبو ذر من غيره أن الكرسى فيه كحلقة في فلاة ، والسموات والأرض في الكرسى كحلقة باعتبار علو قبته ، وزعمت طائفة من المتكلمين أن العرش محيط بالعالم كله من كل جهة ، وأنه الفلك الأطلس ، والفلك التاسع ، ويرده ما صح بالقرآن أن الملائكة تحمله ، وما جاء عن جابر بن عبدالله أن العرش اهتز لموت سعد بن معاذ ، والفلك التاسع عند هؤلاء متحرك دائمًا حركة متشابهة ، وقد يجاب بأنه تحرك يوم مات حركة زائدة ، وحمل حركته له على الاستبشار ، يحتاج الى دليل ، وأى دليل على أن الأفلاك تسعة . وأن التاسع أطلس ، وتفسير العرش بالملك ينافيه حمل الملائكة له ، وحديث أخذ موسى بقائمة منه ، وحديث اهتزاز العرش لموت سعد ، وحديث خلق الله الخلق ، وكتب في كتاب: أن رحمتى سبقت غضبى ، وضعه فوق العرش ، وأنه خارج عن خطاب العرب في الظاهر ، ولو كانت تعرف أيضًا العرش بمعنى الملك فيصير تارة الى تفسيره بالسرير المذكور الشرعى ، وتارة الى تفسيره بالملك ، وهذا خلاف الظاهر .
واستواء الله على هذا الجسم العظيم ملكه إياه تعالى الله عن الحلول ، ونحمل آيات القرآن على ظاهرها إلا ما يوجب التشبيه ، فناوله ، وروى عن على بن أبى طالب الاستواء غير مجهول ، والتكييف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، لأنه تعالى كان ولا مكان ، فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان ، وهو كلام حق إلا قوله السؤال عنه بدعة ، فلعله موضوع ، وشهر قوله: السؤال بدعة عن ملك في الرؤية ، وحسن جدًا قول على: هو على ما كان قبل أن يخلق المكان ، وقد نفى به وبقوله التكييف غير معقول إمكان الاستواء المعقول ، ورجع الى معنى الملك .
ومذهبنا ومذهب أبى الحسن الأشعرى ، تأويل المتشابه ، وكانت مالكية المغرب ينزهون الله عن ظاهر المتشابه ، ويعرضون عن تأويله الى أن ظهر محمد بن تومر مهدى الموحدين في صدر المائة السادسة ، خرج الى المشرق فأخذ التأويل عن علماء مذهب أبى الحسن الأشعرى ، ثم عاد الى المغرب ، فنشر به تأويل المتشابه بما في كلام العرب من التفنن والمجاز ، فسمى أتباعه موحدين ، تعريضًا بأن مخالفيهم بعدم التأويل بالوقف إيمانهم كلا إيمان ، وهلك من أبقاها على ظاهرها ، وزاد بلا كيف وقدم على العش على متعلقه للفاصلة ، ويبعد أن يكون فاعل استوى هو ما من قوله تعالى:
{ له ما في السَّموات وما في الأرض } فيتعلق باستوى ، ويكون على العرش خبرًا للرحمن ، فيكون قوله تعالى: