ولما نبذته بالعراء ضعيفًا كالفرخ أنبت الله D عليه شجرة من يقطين ، قيل يأكل من ثمارها ، أو تظله وترضعه أروى ، ولما يبست حزن فأوحى الله اليه أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو أكثر؟ أوحى الله اليه أن اذهب اليهم فقل لملكهم ، أن الله أمرك ان ترسل بنى إسرائيل معى ، فقال لو علمنا أنك نبى لفعلنا ، ولو كان الأمر كذلك لمنعنا الله من سبيهم ، ودعاهم ثلاث أيام ، فأوحى الله D: أبلغهم إن لم يؤمنوا عذبوا ، فأبلغهم ولم يؤمنوا وندموا ، فسألوا العلماء من بنى إسرائيل فقالوا إن خرج فقد صدق ، فلم يجدوه ، وقيل لهم: خرج العشية ، وأغلقوا الأبواب عن المواشى ، فلم تدخل وفرقوا بين الأولاد والأمهات من كل حيوان ، فلما انشق الصبح جاء العذاب ، وألقت الحوامل ما في بطونها ، وصاحت الصبيان والدواب ، فرفع العذاب فبعثوا الى يونس فآمنوا ، وأرسلوا بنى إسرائيل معه .
{ فظن أن لَن نَقْدر عليْه } نضيق عليه السجن في بطن الحوت أو غيره ، ولا علم له بالحوت حتى وقع في فمه ، دخل ابن عباس على معاوية ، فقال معاوية ، ضربتنى أمواج القرآن الليلة ، فغرقت ، كيف ينفى نبى الله القدرة عن الله؟ فقال ابن عباس: ذلك من القَدْر لا من القُدْرة ، أى من التضييق لا من معنى القدرة ضد العجز ، تعالى ، أو لن نقضى عليه بعقوبة ، ويدل له قراءة عمر بن عبد العزيز بضم النون وشد الدال ، وقراءة على بياء مضمومة وشد الدال من التقدير بمعنى القضاء ، ولكن يجوز أن تكون القراءتان من معنى التضييق .
ويجوز أن يكون المعنى عمِل عمَل من ظن أن لا تعمل فيه قدرتنا ، أو لا نستعمل قدرتنا بتنجيته ، بل نتركه وأما أن يسمى وسوسة الشيطان له بأن لا قدرة الله تعالى على تنجيتك ظنهًا مع أنه ينفيها جزمًا كما زعم بعض أنه أزله الشيطان حتى ظن أن الله D لا يقدر عليه ، وتاب وقبلت توبته ، فلا يتم لأن ذلك غير ظن إلا مجازًا حتى أنى اقول لا وجه لتوقف المصلى وسكوته ، والاشتغال بنفى ما وسوس به الشيطان مع مقارنه إنكاره لوسوسته ، وإنما يفق وينفى أو ترجح عنده ما يوسوسه به ، أو ارتاب به .
{ فَنَادى } كان منا كان من ركوب السفينة والمقارعة ، والتقام الحوت فنادى { في الظلمات } ظلمة واحدة شديدة ، كأنها ظلمات ، أو تركبت من أجزاء كل جزء ظلمة وأما قوله:
وليل يقول الناس في ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
فيحتمل أن الجمع لتعدد الناس: ومع ذلك لا بد من التفاقهم في شدة الظلمات ، وكذل كالظلمة في الحوت كظلمة العين العوراء التى لم يبق فيها إبصار ما ، أو ظلمة الحوت وظلمة البحر ، وظلمة الليل إذا جاء الليل أو هؤلاء الثلاث مع ظلمة حوت أخرى بلغ هذه .