بالشكر والقيام بحق النعمة { نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ } كالهداية ورسالة النبى A { وَمَآ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَبِ } القرآن { وَالْحِكْمَةِ } عطف خاص على عام . والحكمة القرآن ، أى الجامع بين أنه قرآن وحكمة ، أو هى القرآن والسنة ، أو السنة ، كما قال الشافعى معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له ، كما قال ابن وهب عن مالك ، والفصل بين الحق والباطل ، كما قيل ، والإصابة في القول والعمل كما قيل ، والموعظة كما قال مقاتل ، أعنى ، أن الآية لجميع ذلك ، وأصل الحكمة الرد وتلك المعانى ترد عن الجهل والخطأ { يَعِظُكُمْ بِهِ } يوصيكم ترغيبًا وترهيبًا { وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ } فهو لا يأمر إلا بما هو حكمة ويجازيكم على الموافقة والمخالفة فيما مضى من الأحكام وغيرها كالعضل في قوله تعالى:
{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ } أى أيها الأزواج { النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } اللحظة بعد تمام العدة ، أى انقضت عدتهن { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لا تمنعوهن أيها الأولياء ، وفى الآية جواز تعدد المخاطب ، بأن يخاطب ببعض الكلام غير المخاطب ببعضه الآخر فالحق الجواز إذا بان المراد ، كما جاء في غيره هذه الآية الخطاب بالكاف للنبى A ، وبالكاف والميم للأمة { أَن يَنْكِحْنَ } يتزوجن { أَزْوَجَهُنَّ } أى من كانوا أزواجًا لهن ، فذلك من مجاز الكون .
طلق عاصم بن عدى زوجه جُمْل ، وقيل جميل بالتصغير ، وأراد تزوجها بعد انقضاء العدة ورضيت ورضى أخوها معقبل بن يسار فزوجه بها ثانيًا ، ثم طلقها ثانيًا ، وطلبها ابن عم له بعد العدة للتزوج ، ومنعها أخوها معقل بن يسار ، وهو ابن عم عاصم أيضًا ، وحلف ألا يزوجها أبدًا لأحد ، فنزلت الآية فزوجها بابن عمه الآخر ، فكفر يمينه .
وروى البخارى وأبو داود والنسائى والحاكم وابن ماجه والترمذى عن معقل بن يسار ، كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه ، فكانت ، عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة ، فهوتها وهويَتْه ، ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يالكع ، أكرمتك بها وزوجتكها ، وطلقت ثم جئت تخطبها ، والله لا ترجع إليك أبدًا ، وكان رجلًا لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، وعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه فأنزل هذه الآية ، قال: ففىَّ نزلت ، فكفرت عن يمينى ، وأنكحتها إياه ، وفى لفظ ، فلما سمعها معقل قال: سمعًا لربى وطاعة ، ثم دعاه ، فقال: أزوجها وأكرمها .
وقيل: الخطاب في تعضلوهن للأَزواج المطلقين لهن ، فيكون المراد بالأزواج في قوله: أن ينكحن أزواجهن ، من أردن أن يكون بعد العدة زوجا غير الأول وسمى غير الزوج زوجا لأن حبهن لأن يكون زوجا لهن سبب لتزوجهن به فكأنه من مجاز الأول ، ومن لم يشترط في مجاز الأول التحقق ولا الرجحان ، بل مطلق الإمكان فظاهر أنه منه ، وكان أهل الجاهلية يمنعون من طلقوهن أن يتزوجن غيرهم ، ترفعا أن يطأها غيره ، وقيل: الخطاب في تعضلوهن من للأَولياء والأزواج ، أى لا يمنعهن الأزواج المطلقون عن تزوج أزواج آخرين ، ولا الأولياء ، عن تزوج المطلقين لهن ، وقيل الخطاب للناس كلهم ، أى لا يكون فيكم عضل بمنع ولا برضاء به عن المطلقين ولا عن غيرهم ، فيكون عموم المجاز ، ويجوز كون الخطاب أيضا في طلقتم للأَولياء والأزواج من عموم المجاز ، لأن الأولياء سبب لأنهم يعرضون لتخليص وليتهم من الأزواج إذًا { تَرَضَوْا بَيْنَهُمْ } أى الأزواج والنساء ، رضى كل منهم الآخر ، وإذا عائد إلى ينكحن ، وإن جعلنا عائدًا إلى تعضلوهن فلأن التراضى معتاد ، لا لتجويز العضل إذا لم يتراضوا { بِالْمَعْرُوفِ } اللائق شرعا وعادة ومروة { ذَلِكَ } المذكور من أحكام الطلاق والإيلاء واليمين ، أو ما في السورة ، أو النهى عن العضل ، وإفراد الخطاب للعموم البدلى ، أوله A ، أو تأويل الفريق الأزواج أو الأولياء ، ولا يصح ما قيل إن الكاف لمجرد الخطاب ، إذ لا خطاب بلا مخاطب ، بفتح الطاء { يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } هذا بإعادة كاف ذلك لرسول الله A ، كقوله تعالى: