وقال: « أنت ومالك لأبيك » وقيل: من بيوكم من مال أولادكم وأزواجكم الذين في بيوتكم ، وقيل: ما ملكتم مفاتحه عبيدكم عبر عنهم بما تشبيها بالجماد ، أو بالحيوانات والمفاتح جمع مفتح بدون ألف وقيل: مفتاح بالألف ، حذفت في الجمع ياء .
{ أو صديقكم } أى أو صديق يؤكل واحد منكم ، ممن له صديق ، وقيل: يقع على الجماعة كما يقع على المفرد والاثنين ، لأنه بوزن مصدر السير والصوت ، وعلى كل حال لم يقل أصدقائكم اشارة الى قلة الصديق حتى قيل:
صاد الصديق وكاف الكيمياء معا ... لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا
والى ان الاثنينية مرتفعة كأنهما واحد في الأكل وهو أرضى بالتبسط من ذوى القرابة ، وهو من يصدق في مودتك وتصدق في مودته ، أو ولو لم تصدق أنت ، وقد استغاث الناريون بالصديق لا بالولد ، أو بالوالد فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم ، وقد جعله الله D مع النفس والأخ والأب ، قال أفلاطون: لا أحب أخى الشقيق إلا إذا كان صديقى ، وصديقى أحب الى من أخى .
والآية باقية على اطمئنان النفس من صاحب المال ، كما فعلت الصحابة بعده A ، يدخل دار صديقه باستئذان فيسأل جاريته عن كيسه فتعطيه فيأخذ ما شاء ، فإذا جاء وأخبرته أعتقها سرورًا ، ودخل أصحاب الحسن داره باستئذان ، وأكلوا أطيب طعامه ، فدخل فاستنار وجهه فرحا فقال: هكذا وجدناهم يفعلون ، يعنى الصحابة ، فلا نسخ لحديث: « لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس » لأنا قد اشترطنا للآية الاطمئنان ، ويدرأ الحد عمن أكل من مال هؤلاء عندى ، لأنه يدخل جهرًا بلا إذن ولا يبالى ، وإن كان فيه ساكن استأذن ، وليس ذلك سرقة وكأنه قيل: هل نفى الحرج في الأكل من بيوت هؤلاء إذا كان مع أهل تلك البيوت أم مطلقا فنزل:
{ ليس عليكُم جناحٌ أن تأكُلُوا جَميعًا } مجتمعين { أو أشْتاتًا } جمع شتيت شذوذاُ ، أو جمع شت وهو الأصح مصدر بمعنى الوصف ، لا مبالغة إذ لا يوجد فوق الانفراد شىء يسمى شتيتًا يبالغ اليه ، وقيل الآية مستأنفة في تشديدهم على انفسهم ان لا يأكلوا منفردين ، كان بنو ليث بن عمرو بن كنانة يمكث أحدهم يومًا ، او أكثر لا يأكل حتى يجد ضيفًا يأكل معه ، وقد وجد الطعام بين يديه من الغد ، والى الرواح ، وأكثر إبله جعل باللبن فلا يشرب حتى يمسى ، ولم يجد من يشرب معه فيشرب ، وكان الخليل عليه السلام لا يأكل حتى يمشى ميلا في طلب من يأكل معه اتخذه خليلًا لذلك في قول .
وأما قوله A: « شر الناس من أكل وحده ، وضرب عبده ومنع رفده » ففى ذم البخل ، وكان قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لم يأكلوا إلا معه ، ويدخل الغنى على الفقير يأكل فيدعوه للأكل ، فيقول لا أزاحمك في طعامك وأنا غنى ، وإذا حضر الأعمى الأكل عزلوا له سمهمه لئلا يأكلوا أكثر منه ، أو الجود دونه ، وكانوا يأكلون فرادى أيضًا خوفًا أن يأكلوا أكثر من صاحبه ، أو أن يحصل من احدهم ما ينفر الآخر مثل الزكام والحكة ، فنزلت الآية نهيا عن ذلك .