فهرس الكتاب

الصفحة 5001 من 6093

{ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا } رفعا حسيا ، كانت على الأَرض ورفعها إِلى حيث هى ، وفتقها سبعا أو رفعا حسيا كذلك ، لكن بمعنى خلقها في موضعها المرتفع ويناسبه قوله تعالى: { وَالأَرْضَ وَضَعَهَا . . . } لأَن وضعها خلقها في موضعها لا وضع من عال ، ويجوز أن يراد الرتبى والحسى جمعا بين الحقيقة والمجاز أو عموم المجاز ونصب السماء على الاشتغال والجملة المقدرة خبر سادس . { وَوَضعَ الميزَانَ } شرع العدل من معنى قولهم: وضعت الشئ أى أثبته ، والزيادة والنقص والمساواة في الحس تتبين بالميزان الحسى فشبه به العدل ، فهو ميزان معنوى ، فالميزان بمعنى العدل استعارة أصلية تصريحية ، وذلك بأَن يعطى كل ذى حق حقه ، قال - A - « بالعدل قامت السموات والأَرض » ، أى بقيتا على حالهما . وقيل: المراد بقاء ما فيهما من الأَحياء ، إِذ لولا العدل لهلك ما فيها ، وأما أهل السموات فذكرهم مبالغة ، إِذ لا يقع لديهم ما يحتاج للحكم بالعدل بينهم ، أو أراد بالعدل في الحديث وضع الأَشياء في مواضعها بالحكمة ، وعن ابن عباس: المراد في الآية ما تعرف به المقادير وزنا أو كيلا أو ذرعا أو نحو ذلك ، كلفهم به ليتوصلوا به إِلى حقوق لله تعالى وحقوق العباد ، ولفظ الميزان حقيقة في كل ما يعرف به المقدار من تلك الأَشياء ونحوها ، وقيل المراد الميزان المعروف ، وأنه حقيقة فيه فقط .

ويرجح هذا والذى قبله قوله تعالى: { أَلاَّ تَطْغَوْا فِى الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } ويجوز أن يراد بالميزان العدل والميزان الحسى جميعا بين الحقيقة والمجاز ، وأن يراد عموم المجاز واللام مقدرة ، أى لئلا تطغوا ، أى كراهة أن تطغوا ، فلا نافية وأن مصدرية والعامل وضع والميزان في موضع الضمير ، والمعنى: لأَجل أن تحافظوا على شأنه لا تنقصوا منه ولا تزيدوا عليه ، ومن شاء الزيادة من ماله فبعد تحقيق كمال الوزن ، ومن شاء النفقص من حقه ، فبعد تحصيل حقه ، وجاز قبل ، لكن لا يصوغ الميزان ناقصا ، والوزن بمعنى الموزون ، ويجوز أن تكون ( أن ) مفسرة و ( لا ) ناهية لتقدم ما فيه معنى القول دون حروفه ، وهو وضع بمعنى شرع ، والشرع وحى والوحى قول وهو أولى لسلامته من تفسيره بموضع الظاهر موضع المضمر إِذ لا معنى لوضع الميزان ، لئلا تطغوا في الميزان إِلا بالتأَويل الذى ذكرت ، ولسلامته من تفسير الميزان بالموزون .

وأيضا يناسب كون ( لا ) ناهية قوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ } ففيه عطف الأَمر والنهى عطف إِنشاء على إِنشاء ، وإِذا جعلنا ( أن ) مصدرية و ( لا ) نافية ، كان العطف عطف إِنشاء على إِخبار ، ويدل على أن ( لا ) ناهية ، قراءة لا تطغوا بإِسقاط ( أن ) مع حذف نون تطغون ، وذكر بعض أن التأَويل بالمصدر في جعلها مصدرية وجعل ( لا ) نافية مسوغ لعطف الإِنشاء على الخبر ، موجب لتأَويل الإِنشاء بالمصدر لعطفه على المؤول بالمصدر ، فيكون مجردا عن الإِنشاء ، وهو مبنى على جواز الإِنشاء بالمصدر وجواز دخول حرف المصدر على الإِنشاء ، وقد علمت بطلانه ومعنى إِقامة الوزن بالقسط ، تقويم الوزن بالعدل ، وهو انتفاء البخس في الكيل والوزن كما قال مجاهد: أقيموا لسان الميزان إِذا أردتم الأَخذ أو الإِعطاء أو أقيموا بالشرع أقوالكم وأفعالكم أو ذلك كله ، وقيل الإِقامة باليد والقسط بالقلب ، والوزن هنا بالمعنى المصدرى ، ومعنى خسر الميزان نقص آلة الوزن بصوغها ناقصة أو بعدم إِكمال الوزن ، ويجوز أن يكون مصدرا وأن يكون بمعنى موزون ، ولا يخفى ما في تكرير مادة الوزن في المواضع من التأَكيد والحث على ترك البخس والميزان مفعول به ، والمعنى: لا تجعلوا أنفسكم خاسرة الميزان بنصب الميزان في عبارتى هذه بخاسرة ، لأَن خسر الثلاثى متعدٍ بنفسه لواحد كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت