{ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } جهنم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ } إِذا أردتم المناجاة في مجامعكم أو غيرها { فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ومَعْصِيةِ الرَّسُولِ } كما تفعل اليهود والمنافقون نهاهم عنه وهم لا يفعلونه ولا فعلوه تحذيرا لهم وإِنذارًا لغيرهم أو قد فعله بعضهم فنهاهم أو الذين آمنوا المنافقون وهو الصحيح عند بعض وصفهم بالإِيمان على دعواهم واعتبارا للفظهم إِذ آمنوا بأَلسنتهم { وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ } ما يتضمن للمؤمنين خيرًا وسائر العبادات { وَالتَّقْوَى } ما ليس معصية لرسول الله - A - في أمر من الدين ولا ذمًا له أى اجعلوا بدل التناجى بالشر التناجى بالخير إِذا كان الصواب التناجى وإِلا فأَظهروا الدين ولا تتناجوا ويجوز أن يراد بالتناجى هنا مطلق التكلم استعمالا للمقيد في المطلق أو إِذا أردتم التناجى بالسوء فاجعلوا بدلها التكلم بالخير { وَاتَّقُوا } فيما تأتون وما تدرون { اللهَ الَّذِى إِلَيْهِ } وحده لا إِلى غيره ولا إِليه غيره { تُحْشَرُونَ } تجمعون للثواب والعقاب { إِنَّمَا النَّجْوَى } بالإِثم والعدوان ومعصية الرسول { مِنَ الشَّيْطَان } بتزيينه والله خالقها وناه عنها { لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا } تعليل متعلق بقوله من الشيطان أو متعلقة أو خبر ثان للنجوى قيل أحزان المؤمنين بها أنهم يتوهمون أنها في نكبة أصابتهم { وَلَيْسَ } الشيطان أو التناجى الذى يزينها ويأمر بها في السوء وقيل ليس الحزن بضارهم ورد بأَن الآية لإِزالة الحزن وأُجيب بأَنه إِذا علموا أن هذا الحزن لا يضرهم إِلا بإِذن الله اندفع { بِضَارِّهِمْ شَيئًا } ضرا ما فهو مفعول مطلق ولا يجوز أن يفسر بشئ ما من الأَشياء وهو مفعول لأَنه يتعدى لواحد وقد أخذه وأُضيف إِليه { إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ } كموت قضاه الله وكغلبة العدو والضار في الاستثناء هو ما قضاه الله لا تناجيهم فالاستثناء منقطع فإِن المضرة اللاحقة لهم بالتناجى غير اللاحقة لهم بما قضاه الله تعالى وإِن كان المعنى أن تناجيهم لا يغيظهم إِلا إن أراد الله تعالى أن يغيظهم كان متصلا { وَعَلَى اللهِ } لا على غيره ولا مع غيره متعلق بما بعده والفاء صلة { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } من توكل على الله تعالى لا يخب عمله ولا يبطل سعيه فلا يبالون بنجواهم وذلك إِزالة لحزن المؤمنين ، قال رسول الله - A - « إِذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان عن واحد » رواه البخارى ومسلم وفى رواية زيادة حتى يختلطوا بالناس فإِن ذلك يسوؤه ولفظ أبى داود عن ابن مسعود فإِن ذلك يحزنه أى فإِذا اختلطوا بالناس بأَن كانوا أربعة فصاعدًا جاز تناجى اثنين عن اثنين فصاعدا . تناجى ابن عمر مع واحد فقال لرجل تناج أنت مع هذا فهم أربعة فإِن كانوا أربعة فلا يتناج ثلاثة عن واحد وهكذا لا يبقى واحد ومن ذلك أن يتكلم اثنان بلغة لا يعلمها الثالث أو يرمز في كلامه أو يكتب إِليه { يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا } توسعوا لأَخيكم في الدين بضم ما انبسط من ثيابكم أو جسدكم لا بانتقال من موضعكم { فِى الْمَجَالِسِ } موضع الجلوس متعلق بقيل أو بتفسحوا وهو أولى لقربه وليشمل القول من خارج المجلس والمراد مجلس رسول الله - A - وال للعهد وقيل مجالس القوم فهى للجنس كل أحد له مجالس ، كما قرئ: وإِذا قيل لكم تفسحوا في المجالس بالجمع { فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ } يجازيكم على فسحكم وسمى الجزاء فسحا مشاكلة لأَنه كان للفسح وهو مجاز لعلاقة اللزوم والتسبب أو الشبه بأَن شبع التوسع في الخير بالتوسيع الحسى على طريق الاستعارة التبعية أو المراد يوسع الله لكم في رحمته من كل ما تريدون من الدنيا والآخرة فحذف المفعول للعموم أو في منازلكم في الجنة أو في قبوركم أو في صدوركم أو في رزقكم أقوال والأَول أولى وأنت خبير بأَن الفسح التوسعة الشاملة للحسية والعقلية كما فيه استعمال الكلمة المجازية في معان متعددة كان - A - في الصفة ، وقيل فيها يوم الجمعة وضاق الموضع وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأَنصار ، فجاء ناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماء وقد قيل نزلت فيه إِذ كان ثقيل السمع وأراد القرب فأَبى بعضهم الفسح له فعيره ثابت فقاموا حيال رسول الله - A - فقالوا السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ويروى أيها النبى ، فرد عليهم السلام وسلموا على القوم فردوا عليهم وداموا قائمين على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم فقال - A - لبعض من حوله قم يا فلان قم يا فلان بعدد من وقفوا فشق ذلك عليهم وعرفت الكراهة في وجوههم وقال المنافقون ما عدل إِذ قدم من تأَخر حضوره فنزلت الآية وكانوا يتناجون في القرب منه - A - وقيل الآية في تضامهم في صف القتال رغبة في الجهاد والشهادة وكانوا يتضامون في صف القتال حرصًا على القتال لوجه الله D وعلى الشهادة والشجاع يحتاج إِليه خصوصًا ، وقد قيل الآية في مجالس القربات والقتال ومنها مجلس العلم والقرآن والذكر والوعظ والدعاء والجمهور على ما تقدم ، فنقول بكل ذلك وفى كل مجلس للمباح أيضًا كما عم اللفظ ولو كان سبب النزول خاصًا { وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا } ارتفعوا عن مجلسكم للقادمين من مواضعكم بالانتقال عنها { فَانشُزُوا } بنهوض لا ببطء وأصل النشز المرتفع من الأَرض ، وليس كل مجلس فيه ارتفاع موضع عن موضع فالمراد ارتفاع عن موضعه ، وهو ذهابه عنه أو سمى النهوض ارتفاعًا أو سمى الارتفاع نشزا لأَنه صعب على النفس كطلوع جبل ، وهذا تأكيد لما قبله أو الأَول في ضم الإِنسان نفسه وثيابه والثانى في تحوله عن مجلسه .