{ التِى أحْصَنَتْ فَرْجَهَا } عن الزنى وما يقرب منه وهى بعيدة عن قرب الفحش ، لكن ذكر الله D هذا ردًا على باهتيها وهذا أولى مما قيل ، المعنى الكناية عن العفة كما يقال فلان نقى الجيب على أن الفرج جيب قميصها وهو مخرج رأسها وعنقها منه وهذا ولو كان أبلغ لكنه خلاف الظاهر ألا ترى إِلى قوله تعالى: { فَنَفَخْنَا فِيهِ } وهو قراءة أيضًا في هذه السورة ، وهذا أقوى مما قيل أن جبريل أراد النفخ في جيب قميصها وقالت أعوذ بالرحمن منك إِن كنت تقيًا فتباعدت عنه فنفخ فيه كارهة ، والفرج منفذ في الجسد حقيقة في سوءة الإِنسان وغيرها ، لا ما قيل ونسب للأَكثر من أنه حقيقة بين الرجلين ثم صار حقيقة فيها نعم شهر فيها .
{ فَنَفَخْنَا } أسند النفخ إِليه تعالى على طريق المجاز العقلى إِعظامًا لها رضى الله عنها ولأَثر النفخ والنافخ حقيقة جبريل عليه السلام ، وهذا أولى من اعتبار التجاوز بحذف المضاف المتغير الإِعراب به ، أى فنفخ رسولنا .
{ فِيهِ } أى في فرجها ، ولا مانع من أن يرسله الله إِليها حتى يقابل فرجها فينفخ فيه بحيث لا يراه ولا يمسه وهو الظاهر ، وقيل نفخ في مخرج عنقها ورأْسها من قميصها فوصل فرجها ، فصح أنه نفخ فيه إِذ وصله ، وهذا مجاز لعلاقة الجوار لأَن الجيب باعتبار الإِيصال إِلى الفرج كأَنه مجاور له ، وأيضًا إِذا شملهما بدن واحد فكأَنهما متجاوران ، وأجاز بعضهم عود الهاء إِلى الحمل المدلول عليه بالمقام على أنه كان فيها عيسى بلا روح ثم نفخ فيه الروح ، وقيل وجد فيه بالنفخ حيًا دفعة .
{ مِن رُوحِنَا } روح لنا بلا توسط لجبريل عليه السلام ، والمراد الروح الذى خلقه الله D وجعل من بعضه عيسى والإِضافة للتشريف .
{ وَمصَدَقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِهَا } صحف آدم وصحف إِدريس وصحف إِبراهيم وصحف موسى وسماها كلمات لقلتها بالنسبة إِلى الكتب ، وقيل وعده ووعيده وأمره ونهيه .
{ وَكُتُبِهِ } هو الإِنجيل أو جنس كتب الله التوراة والزبور والإِنجيل والقرآن وغيره من كتبه ، بل الإِضافة للاستغراق ردًا على من أنكر الإِنجيل وعلى من أنكر القرآن؛ والقرآن ولو تأَخر نزوله لكنه مذكور في التوراة والإِنجيل وغيرهما فآمنت بما وجد وما سيوجد نزوله كما آمنت برسول الله - A - لذكره في الكتب السابقة ، ويدل على أن المراد عموم الكتب قراءة وكتبه بالجمع ، وقيل المراد بالكتبا الكتب والصحف وبالكلمات سائر ما يوحى إِلى الأَنبياء ، وقيل اللوح المحفوظ وما فيه .
{ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ } المبالغين في العبادة وإِخلاصها ، ومر كلام في معنى القنوت ، ولم تكن التلاوة من القانتات أو كانت قانتة تعظيمًا لعبادتها كأَنها من الرجال المبالغين بها ، ومن للتبعيض ، وقيل المعنى أنها صدرت من نسل القانتين لأَنها من ذرية هارون أخى موسى عليهما السلام ، والأَصل أن الفرع يتبع الأَصل وقد قيل إِن الغالب ذلك ، ومن على ذلك للإِبتداء وكونها من نسلهم مدح لها كما قال الله D: