فإن المراد هنا الإخبار بوقوع شيئين: الإغفال واتباعهما لهوى ، كما تقول: جاء زيد وأكرمته إذا أردت الإخبار بأنه جاء ، وأنك أكرمته هكذا أو إن أردت التصريح بما هو سبب قلت: فأكرمته بالفاء .
{ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } تقدمًا على الحق بحيث يكون خلفهم منبوذًا ، والمادة منبئة عن العجلة ، كما يقال: فرط منه قول قبيح ، أى سبق ، وفرس فرط: يسبق الخيل ، قال الله D: { إنا نخاف أن يفرط علينا } وفرطت القوم سبقتهم إلى الماء ، وفراط الغنم متقدماتها إلى الوادى والماء ، وفى الحديث: « أنا فرطكم على الحوض » وأفرط جاوز الحد ، وفرطا في الآية بمعنى فارطًا أو مسرفًا أو مضيعًا ، أو مفرطا فيه ولا يقال: لم لا يطردهم جلبًا للكثير والكبراء ليقوى الإسلام ، فإنا نقول: في ذلك إهانة للإسلام ، وللسابق إليه ، وكسر لقلبه ، وتنفير عنه ، وتقليل لمن يدخل فيه ، وتسبب في ردة من أسلم ، وإساءة ظن بتفضيل أهل الدنيا .
وأكثر الناس ليسوا بأصحاب مال ومرتبة ، وإنما الإسلام المرتبة العظيمة ، فمن سبق إليها فهو الفائز ، ولإسلام غير محتاج إلى شرف الناس ، بل مَن أعرض عنه كب ، ففى ذلك بيان من الله لهؤلاء الأشراف أن نحو سلمان وعمار هو الشريف ، وهكذا قل ولا تحتاج أن تقول: إن الله عالم بأن هؤلاء لا يؤمنون إيمانًا صيفًا ، وبدل لما قلت قوله تعالى:
{ وَقُلِ } لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ } مبتدأ وخبر أى الحق آت أو ثابت من ربكم ، لكن إذا قدرنا آت فالخبر آت لا من ربكم ، وما أتى من غير الله مما لم يأذن به الله ، ليس بحق ، بل مجرد هوى ، أو الحق خبر لمحذوف ، و من ربكم حال مؤكدة أو خبر ثان ، أى ذلك الحق من ربكم ، أو هذا الحق ، أو الذى آتيتكم به ، والمراد ما من أول السورة ، أو كل ما أوحى إليه .
{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ } بهذا الحق المذكور ، أو بالنبى ، أو بالقرآن ، وهذا من مقول القول أو من الله تعالى .
{ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } لا أُبالى إيمانكم وكفركم ، إنى مثاب على تبليغى ولو لم تعملوا به ، ولا يضرنى كضركم ، ولا أطرج الفقراء آمنتم أو كفرتم ، أو استعارة للخذلان بتشبيه ما هو بحال المأمور بالكفر ، والجامع عدم المبالاة ، والآية لا تقتضى استقلال العبد بفعله ، لأن مشيئته الإيمان أو الكفر لا تكون إلا بمشيئة الله D ، ولا ينفذها إلا بإنفاذه تعالى ، فإنه خالق لمشيئة العبد ، وإنفاده لها ، ومشيئة العبد غير مؤثرة ، وأيضا قال الله D: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } والشرط لا يلزم أن يكون علة تامة للجزاء ، بل يكفى أن يكون سببًا في الجملة كما في المطول .