{ والله خَلقَكُم مِن تُرابٍ } فى ضمن خلق آدم منه فهم مخلوقون من تراب بوسائط الآباء والأمهات ، أو بوسائط الدم المتولد من الثمار المتولدة من التراب ، أو مضاف ، أى خلق آباكم آدم { ثُم من نُطْفةٍ ثُم جَعَلكم أزْواجًا } ذكرانا وإناثا كما قال: { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } أو زوج الذكور بالإناث بالذكور ، ويناسب هذا ذكر النطفة وقوله تعالى: { وما تَحْمل من أنْثى } جنينا { ولا تَضَع } لا تضعه حيا أو ميتا نطفة أو علقة أو مضغة أو عظاما أو مصورا { إلا بعِلْمه } حال من الفاعل وهو انثى أى إلا ملتبسة بعمله بها علما كليا بذتها وجنينها ، واحوالها كلها .
{ وَمَا يُعمَّر مِن مُعمَّر } المعمر لا يزاد عمرا آخر ، ولا يوجد تعميره الحاصل ، لأن ايجاد الموجود بعد وجوده تحصيل للحاصل وهو محال ، فاما أن يكون يعمَّر بمعنى الماضى ، أى ما عمر من حصل تعميره ، أى فكذلك التعمير الماضى إلا بعلمه ، وإما أن يكون معمَّر بمعنى من شأنه التعمير ، أو مآله اليه ، ومن ذلك حديث: « من قتل قتيلا فله سلبه » ومن مجاز المآل مثل: { إنى أرانى أعصر خمرا } { ولا يُنْقص من عُمُره } لهاء عائد الى معمر المذكور لفظا مرادا بها غيره ، معنى على طريق الاستخدام ، أى من عمر معمر آخر ، كدرهم ونصفه ، وذلك استخدام حقيق لا شيبه به ، ويجوز تقدير مضاف أى من عمر مثله ، والمزيد في عمره لا يكون منقوصًا من عمره ، ومعنى تعمير المعمر إطالة عمره ، ومعنى نقص العمر خلقه قصيرا من أول كقولك: أطل البناء ووسع فم البئر ، أى اجعل البناء من أول أمره على الاطالة ، واجعل فم البئر واسعا من أول .
ويجوز عود الهاء الى المعمر تحقيقا بدون استخدام ، على أن المعمَّر صاحب العمر مطلقا طال أو قصر ، أى لا يجعل لصاحب العمر عمره طويلا ، ولا ناقضا إلا بعلمه ، أو على أن النقص بمعنى المضى من بعض عمره ، مثل لحظة وساعة ، ويوم وشهر وسنة ، أو على معنى أنه إن فعل كذا طال عمره ، وان لم يفعله نقص ففعله فيطول أو لا يفعله فينقص ، وقد قضى الله قبله أن يفعله ، أو قضى أن لا يفعله ، وهو تعالى لا يجهل ولا يتغير قضاؤه ، ولا يحدث له علم ، لأن علمه أزلى عام لا يخرج عنه شىء ، فبذلك جاز الدعاء بطول العمر للمتأهل له ، وبنقصه للمتأهل له ، والأجل واحد مبرم ولا يتغير ، ويحتمل تفسير إطالة العمر بابركة ، ونقصه بعدمها ، قيل: أو على أنه لا ينقص من عمر المعمر لغيره ، فمعمر بمعنى مبقى على عمره ، وفيه أنه يقتضى أنه قد ينقص من عمره لغيره بعلمه تعالى ، وهو محال ، ولعل قائله أراد أن البقاء على المعر ، وعدم النقص منه للغير متصور بعلمه ، وقيل: الهاء للمنقوص من عمره ، ولو لم يجر له ذكر للعلم به ، أى لا ينقص من عمر المنقوص من عمره بجعله ناقصا .