فخر مغشيا عليه ومات وقرأت هذه الحكاية على قوم من أهل اليمامة بحضرة أبى بكر فبكوا شديدا ، فقال كذلك كنا حتى قست القلوب يعنى قلوب غيره وغير نظائره ، فذلك مدح لنظائره بعدم القسوة وزجر لمن قسى قلبه أو أراد إِدخال نفسه هضما لها ، أو أراد أن زمان رسول الله - A - أقوى مما بعده ، ولو لم تكن القسوة . ولا يخفى هذا فإِن معاصرته تزيد خيرا ، فكيف مشاهدته . بعث أبو موسى الأَشعرى في البصرة إِلى قرائها ، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل ، فقال لهم: أنتم قراء أهل البصرة وخيارها ، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأَمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من قبلكم .
{ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } خارجون عن حكم التوراة والإِنجيل مصرون على الكبائر والبدع زيادة في فشلهم عن العبادة لمزيد قسوة قلوبهم ، قال عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم ، فإِن القلب القاسى بعيد عن الله D ، ولا تنظروا إِلى ذنوب العباد كأَنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم فإِنكم عبيد . والناس رجلان مبتلى ومعافى ، فارحموا أهل البلاء واحمدوا على العافية ، وقيل المعنى كافرون بعيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - { اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْىِ } بالماء والنبات { الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } بالقحط وزوال النبات وذلك استعارة تمثيلية للرجوع عن القسوة بالتوبة والخشوع والذكر وقراءة القرآن أو كناية عن ذلك { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ } من جملتها ما ذكر .
{ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في الآيات وتعملوا بموجبها فتفوزوا بخير الدنيا والآخرة وتنجوا من شرهما ولعل للترجية أو للتعليل { إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَدِّقَاتِ } أبدلت التاء فيهما صادا أو أدغمت في الصاد والمراد مدح من ينفق ماله في وجوه الأَجر { وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا } الضمير عائد للمصدقين والمصدقات أولى من أن يعود إِلى المصدقين فيقدروا وأقرضن وكذا لهم في الموضعين تعود الهاء للمصدقين والمصدقات أولى من أن تعود إِلى المصدقين ، ويقدر لهم ولهن والعطف على محذوف أخلصوا وأقرضوا وواو أخلصوا وأقرضوا للمصدقين والمصدقات ، وجملة أخلصوا معترضة أو عطف على مصدقين لأَنه بمعنى تصدقوا ، أو نقول هو شامل للمتصدقات فترجع الواو للمصدقين الشامل لهن ، فيعطف أقرضوا الشامل لهن على مصدقين وإِنما ذكرن بعد الشمول تأَكيدًا كما قال - A - « يا معشر النساء تصدقن فإِنى رأيتكن أكثر أهل النار » ، وليس ذلك فصل بين أجزاء الصلة بعطف المصدقات ، لأَنه كلا فصل لما علمت من الشمول ، أو نقول الواو للمعية في قوله والمصدقات فيعطف أقرضوا على مصدقين شاملا لهم ولهن أو يقدر موصول معطوف على المصدقين أى ومن أقرضوا وواو أقرضوا للفريقين والكوفيون أجازوا حذف الموصول كقوله: