{ وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } على آثار هؤلاء الرسل رسول ثم رسول إِلى عيسى عليهم السلام { وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ } بإِيحائه إِليه مرة واحدة على لسان جبريل كتبه إِسرافيل لجبريل من اللوح المحفوظ بإِذن الله وحرفه النصارى بالنقص والزيادة والتبديل ومما زادوه وافتروه قصة صلبه كما هو موجود { وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً } رحمة شديدة { وَرَحْمَةً } مطلقة كما قال الله جل وعلا في شأن الصحابة رحماء بينهم فيكون ذلك ذكرا للخاص قبل العام وحكمته شدة الاعتناء بالمدح والتعظيم وكذلك إِذا فسرت برحمة مشتملة على دفع الشر وإِصلاح الفساد وفسرت الرحمة بما فيه جلب الخير مطلقا يكون ذكرا للخاص قبل العام وهذا راجع إِلى أن الرأفة الرحمة الشديدة ، وعبارة بعض أن الرأفة إِذا ذكرت مع الرحمة فإِنها ما فيه دفع الشر وإِصلاح الفساد ، والرحمة جلب الخير فتقدم الرأفة على الرحمة لأَنها تخلية وهى قبل التحلية ودفع المفاسد أشد من جلب المصالح . { وَرَهْبَانِيَّةً } نسب إِلى رهبان بفتح هائها . ورهبان مفرد بوزن عطشان من الرهبة وهو وصف والرهبة الخوف الشديد أو هى المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع من الناس ، وذلك خلق من الله D ولهم فيها اختيار كما سمعت وكما يخلق الله الأَفعال الطبعية يخلق الاختيارية ولا خالق سواه والعطف على رأفة . { ابْتَدَعُوهَا } نعت رأفة على حذف مضاف أى وحب رهبانية مبتدعة أو بلا تقدير مضاف لأَن مبدأ فعلها من القلب فهى في القلب بجعل الله تعالى وهم ابتدعوا آثارها وأعمالها وحذف المضاف كما رأيت أو هاء عائد إِلى الرهبانية بمعنى آخر هو تلك الأَفعال من رفض الدنيا وترك اللذات وترك اللباس اللين وترك التزوج ومن سائر ما يشق بطريق الاستخدام أو رهبانية منصوب على الاشتغال لجواز أن يرفع على الابتداء في العربية لوجود المسوغ للابتداء بالنكرة وهو التعظيم فإِن التنوين والتنكير فيه للتعظيم كقولهم شرا هو ذا ناب ولأَن النسب كالوصف تقول قريشى جاء كأَنك تقول جاء رجل من قريش جاء وكأَنه قيل خصلة منسوبة إِلى رهبان وقال بعض إِنه يجوز النصب على الاشتغال ولو لما لا يصلح الابتداء به كما أجاز بعضهم جعل اسم كان أو إن أو المفعول الأَول من باب ظن أو الثانى من باب اعلم مما لا يصلح للابتداء لعدم المسوغ والمشهور غير ذلك ، وقيل انقطع الكلام عند قوله تعالى ورحمة { مَا كَتَبْنَاهَا } ما فرضناها { عَلَيْهِمْ } الجملة نعت ثان أو حال من مفعول ابتدع أو مستأنفة { إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ } أى رضاه والاستثناء منقطع أى فرضوها على أنفسهم ولم نفرضها عليهم ويجوز أن يكون متصلا أى ما وفقناهم إِليها وقضينا بها لشئ ما من الأَشياء إِلا ليبتغوا بها رضوان الله فمعنى نفى الكتابة نفى تيسيرها لهم بعد ما طلبوها فلا منافاة بين ابتداعهم ونفى الكتابة وإن قلنا أمرهم الله بها بعد ابتداعهم لم تحصل منافاة أيضا وكذا إن قلنا معنى ابتدعوها أنهم أول من فعلها بعد الأَمر بها { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } ما أعطوها ما تستحق من المحافظة كمن نذر أمرًا عظيمًا ولم يف به الله D .