وعن الشافعى العود لما قالوا ترك الطلاق بعد الظهار فإِذا سكت عن الطلاق فقد ندم على ما ابتدأ به فلزمته الكفارة وعن ابن عباس العود الندم إِلى الأُلفة وعن أبى حنيفة العود استباحة الوطء وإِرادة التمتع بالمس والنظر ، وعن مالك العود عزمه على وطئها وهو قريب من قول أبى حنيفة وعن الحسن وقتادة ومجاهد وطاووس العود العزم على الوطء وقالوا لا كفارة عليه ما لم يطأَها ، ومراد الشافعى بالطلاق مطلق الفرقة وكان الظهار طلاق الجاهلية وكان أشد فرقة ولا رجعة عندهم وقد فسر مجاهد والثورى العود بالرجوع إِلى طلاق الجاهلية وهو الظهار وفسره أبو العالية بإِعادة الظهار في حينه فإشن لم يعده فلا كفارة وهو كلام لا يسمع .
{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مؤمنة وذلك حمل للمطلق على المقيد وأجاز أبو حنيفة الرقبة المشركة لأَن الإِيمان ورد في غير الظهار وهو الظاهر والأَول لأَصحابنا وهو الأَحوط ، أى فعليه تحرير رقبة أو فالواجب عليه تحرير رقبة قيل أو فيلزمهم تحرير رقبة وفيه أنه لو قيل في جواب الشرط فيلزمهم لقدر قد أو المبتدأ أى فقد يلزمهم أو فهم يلزمهم { مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا } بذكره وغيوب الحشفة أو ولو لم تغب أو ولو في سائر بدنها أقوال فإِن مس قبل التحرير حرمت وقال مالك والأَوزاعى والزهرى والنخعى تحرم ولو بالتقبيل أو نحوه من دواعى الجماع لأَن الأَصل تحريم الدواعى إِلى ما حرم ولم تحرم الدواعى في الصوم والحيض لكثرتها وهو المطابق للتشبيه ، ألا ترى أنه لا يحل الاستمتاع بالأُم مطلقا ولا تحرم بنظر الفرج قبل التحرير والمذهب حرمتها أبدًا بالمس قبل التحرير ولا كفارة عليه بالمس ولا بالظهار ويعترض مما ذكر قومنا أن سلمة بن صخر الأَنصارى ظاهر من زوجه ومسها قبل التكفير فقال A « ما حملك على ذلك » فقال رأيت خلخالها ، ويروى بياض ساقها في ضوء القمر فضحك - A - فقال « اعتزلها حتى تكفر » ، ولعل الحديث لم يثبت عند أصحابنا ورد بهذا على مجاهد وعمرو بن العاص وسعيد ابن جبير وقبيصة والزهرى وقتادة إِذ قال تلزمه كفارة أخرى بالمس قبل التكفير وعلى من قال تلزمه ثلاث كفارات كما هو قول عن الحسن والنخعى ولزم المرأة أن تمنعه من المس حتى تكفر ويحرم عندنا وعند أبى حنيفة الجماع وكل تمتع ولو بنظر وهو قول للشافعى وعنه أيضًا أنه يحرم الجماع فقط { ذَلِكُمْ } خطاب للمؤمنين الموجودين عند النزول وقيل للمؤمنين مطلقًا من الأَمة والإِشارة إِلى الحكم بالكفارة { تُوعَظُونَ بِهِ } تزجرون به عن العود إِلى أزواجكم بالوطء قبل التكفير فإِنه حرام وزنى والكفارة جبر للخلل عند بعض كسجود السهو وعقوبة محضة قولان ثالثهما أنها محو للذنب أو تخفيف له ، وقد قيل أيضًا أنها دائرة بين العبادة والعقوبة { وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } مطلقا ومنه الظهار والعود والتكفير { خَبِيرٌ } عالم بباطنها وظاهرها فهو مجازيكم فاحذروا { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة أو وجدها ولم يجد ثمنًا يشتريها به وذلك كله في الآية والثمن هو معتبر بعد قدر كفايته له ولعياله لأضن قدرها مستحق الصرف فهو كالعدم وقدر الكفاية من القوت للمحترف قوت يوم وللذى يعمل قوت شهر ومن له عبد يحتاج لخدمته واجد فلا يجزيه الصوم بخلاف مسكنه فإِنه كلباسه ولباس عياله وعن مالك والأَوزاعى من له رقبة وهو محتاج إِلى الخدمة أو له ثمنها لكنه محتاج إِليه في نفقته ونفقة عياله لزمه الاعتاق وقيل يصوم والثمن معتبر أيضًا بعد دينه ولو مؤجلا ومن له دين على غيره لا طاقة له على قبضه غير واحد ويعتبر وقت الظهار أو وقت التكفير قولان ومن له دين على غيره مؤجل يفوت أجل الظهار به غير واحد ومن له دين وعليه دين مثله أن اكثر فغير واجد إِلا إن كان ما عليه مؤجلا ومن ملك رقبة فهو واجد ولو كان عليه دين لأَنه لو أعتقها لم يمنع الدين من صحة عتقها ومن لم يجد شراءها إلا بغبن فهو غير واجد كما في شراء الماء لنحو الوضوء { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا } فالواجب عليه صيام أو فعليه صيام ويكفيه شهران كل منهما تسعة وعشرون يومًا وهما ثمانية وخمسون يومًا ، وإِن بدأ بالأَيام فلا بد من ستين يومًا وإِن بدأ من أول الشهر ناويًا الصوم بالأَيام كمن صام من وسط الشهر كفاه الشهران ولو نقصا وقيل من بدأ بالأَيام من وسط الشهر أعنى غير اليوم الأَول حسب الشهر بعده بالهلال وأتم الأَول من الثالث ثلاثين وإِن أفطر ولو بعذر كمرض وسفر ونسيان أو عدم النية من الليل إِن كان ينوى لكل يوم استأْنف ولو أفطر في اليوم الأَخير لعدم التتابع؛ وعن عمر بن دينار راوى جابر بن زيد وسعيد بن المسيب والحسن وعطاء والشعبى ومالك والشافعى في قول له يبنى والذى يظهر أنه يستأْنف إن أفطر لسفر لا لمرض ونحوه من الضرائر ، وإِن جامع التى ظاهر منها ولو ليلا أو ناسيًا حرمت عليه لأَنه جامعها قبل تمام التكفير وقال الشافعية لا تحرم ولو عمدًا وعصى ولم يفسدوه صومه إِن جامع ليلا ، وقيل لا تحرم للنسيان وقال أبو حنيفة ومحمد يستأْنف الصوم للنسيان وقال أبو يوسف لا يستأْنف لأَنه لا يفسد به الصوم عنده للنسيان ويرده أن المأْمور به في الآية صيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما وإِن جامع زوجًا أُخرى غير التى ظاهر منها ولو ناسيًا نهارًا استأنف ولا يستأْنف إِن كان ليلا ولو عمدًا وإن ظاهر من امرأتين فصام عن إحداهما وعتق عن الأُخرى لم يصح للأُخرى وبطل عن الأُولى لصومه مع القدرة على العتق وإِن قدم العتق صح هو والصوم وكذا ما بين الصوم والإِطعام إِن قدم الإطعام وإِذا فسد التكفير بالعتق أو الصوم أو الإِطعام استأْنف ما قدر عليه من ترتيب الآية وإِن ظاهر من اثنتين فصاعدا بلفظ واحد فلكل واحدة كفارة وزعم بعض قومنا أنه تجزى واحدة ، وإِن صام مسافر عن الظهار في شهر رمضان لم يجزه وقيل يجزيه وهو أصح ، وإِن عالج مريض الصوم عنه في رمضان مع المشقة لم يجزه وزعم بعض أنه يجزيه وإِن نسى المظاهر الرقبة أو لم يعلم بها وكذا ثمنها فصام لم يجزه وقيل يجزيه كالخلاف في نسيان الماء في رحله وفى وجود ماء لا يدرى به وبير قريبة منه لا يدرى بها قال الله تعالى في العتق والصوم من قبل أن يتماسا ولم يقله في الإِطعام فقيل المراد فيه أيضًا من قبل أن يتماسا حملًا للمطلق على المقيد وذلك مذهبنا وعندى أن الحمل على المقيد يكون إِذا كان الإِطلاق والتقييد في مسأَلة واحدة نحو أطعم أهلك برًا حتى يشبعوا أطعمهم برًا صبحا ، وقيل يجوز المس قبل الإِطعام إِذ لم يقيد والأَول قولنا وهو أحوط ونسب الثانى لمالك { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } صيام شهرين متتابعين بل استطاع الصوم بلا تتابع أو لم يستطع العدد كاملا أو لم يستطع الصوم البتة وذلك لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أو خاف حدث مرض أو تأَخير برء أو زيادة مرض وذكر بعض قومنا أنه يعتبر دوام المرض في ظنه شهرين بالعادة الغالبة في مثله أو بطبيب عدل ولما أمر رسول الله - A - أوسًا إِذ ظاهر من خولة بالإِعتاق ولم يقدر قال صم شهرين متتابعين فقال: والله يا رسول الله إِن لم آكل في اليوم والليلة ثلاث مرات كَلَّ بصرى وخشيت أن تعشوعينى ، وعد قومنا من أسباب عدم الاستطاعة شدة الرغبة في الجماع ورووا في ذلك أن سلمة بن صخر وصف نفسه بذلك وأنه دخل رمضان فظاهر من امرأته حتى يخرج رمضان لئلا يصيبها قرب ا لفجر حتى لا يدرك الغسل أو في النهار ووثبت عليها ليلا إِذ كانت تخدمنى ورأيت منها شيئًا فأَخبرت رسول الله - A - بذلك فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك وقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك ، أى مصاب بذاك أو تلم بذاك فامض حكم الله تعالى علىَّ قال: اعتق رقبة فضربت صفحة عنقى بيدى وقلت: والذى بعثك بالحق ما أملك غيرها أى غير رقبتى .