فهرس الكتاب

الصفحة 5156 من 6093

كما روى أنه لما هاجر إِلى الشام قال لسارة ما على وجه الأرض من يعبد الله غيرى وغيرك . { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ } الخ قالوا هذا بعد وجودهم ولا إِشكال والخطاب للمشركين وانظر كيف يتعلق إِذ بكان أو بخبرها مع أن المخاطبين لم يوجدوا في زمان إِبراهيم ومن معه الجواب أنه ثبت للمخاطبين ذلك من زمان إِبراهيم كما تقول هذا العبد لولد فلان إِذا ولد ومن العجيب جعل بعضهم إِذ بدلا من أسوة مع أن الوقت ليس نفس الأسوة ولا بعضها ولا اشتملت عليه الأسوة وتعالى الله عن البداء والغلط وكأنه راعى اشتمال الوقت على قول إشنا برءاء منكم الذى هو أسوة فيكون بدل اشتمال بتكلف ومفرد برءاء برئ ككريم وكرماء وشريف وشرفاء { وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُون اللهِ } من الأصنام والكواكب وغيرها ، وبين البراءة بقوله تعالى { كفَرْنَا بِكُمْ } الخ والخطاب للقوم وما يعبدون تغليبًا للمخاطب على الغائب وللعاقل على غيره ، فلا حاجة إِلى تقدير كفرنا بكم وبما تعبدون تمسكًا بدلالة ما قبله عليه ، و الكفر بذلك استعارة بأن شبه الكفر بذلك بالكفر بما لا يجوز الكفر به ، لجامع مطلق النفى ، وذلك مشاكلة وتهكم أو ذلك كناية عن عدم الاعتداد بشأْنهم وشأْن ما يعبدون .

{ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ } ضد الصداقة والصداقة المحبة { وَالْبَغْضَاءُ } شدة البغض ضد الحب ، وقيل العداوة منافاة الالتئام قلبًا والبغض نفار النفس عن الشئ ، وتستعمل العداوة في التخاذل دون البغضاء ، فإِنها ما في القلب من النفار فقط { إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } القول باق على المصدرية ، فما بعده مفعول به له أو بمعنى مقول فما بعده بيان أو بدل ، وذلك استثناء من أسوة منقطع ، أى لكم الاقتداء بإِبراهيم عليه السلام ، والذين معه في البراءة من الكفرة ، لكن استغفاره للكافر ليس لكم الاقتداء به فيه ، فتجب عليكم البراءة من الكافرين ويحرم عليكم الاستغفار وإِبداء الرأفة .

قال الله تعالى: ما كان للنبى والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . أى من بعد ما تبين لهم أن المشركين لا يدخلون الجنة بل النار ، وخص الله D إِبراهيم بالاستغفار لأبيه المشرك ، ثم أخبره الله أنه يموت مشركًا ونهاه عن الاستغفار له ، وعِلْمُه بموته مشركا لا أول له ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا من محذوف ، أى لقد كان لكم أسوة حسنة في كلام إِبراهيم لقومه وأُموره من فعل واعتقاد إِلا قوله لأبيه: لأستغفرن لك ، أى إِلا الاستغفار للمشرك ، فلا تقتدوا به فيه فإِنه أمر خص به ثم نسخ له إِن الله لا يغفر أن يشرك به ، وإِذا فسرنا الأسوة بإنسان مجرد من إِبراهيم ، فالاستثناء منقطع ولا بد وإذا فسر بأمر يقتدى فيه به صح الاتصال والانقطعا ، وما كان استغفار إِبراهيم لأبيه إِلا عن موعدة وعدها إِياه سأستغفر لك ربى ، وتوجيه الاستثناء إلى الوعد بالاستغفار مع أن الموعود هو الاستغفار وقد أنجزه بقوله: واغفر لأبى ، إن الوعد هو الحامل له على الاستغفار ، فأولى أن يستثنى نفس الاستغفار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت