قوله: (لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني) أشار به إلَى أن الخسران اسْتعَارَة
منه اشتغالهم بها بحَيْثُ يضر آخرته. وإيثار الدنيا عَلَى الْآخرَة وتركهم الباقي واختيار الفاني
بالتجارة التي [ضاع] فيها رأس المال وبقي خائبًا وللأصل فاقدًا. قوله باعوا أي تركوا العظيم
الباقي واختاروا الحقير الفاني فهذا خسران وغبن لا خسران ولا غبن فوقه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي
إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)
قوله: (بعض أموالكم ادخارًا للآخرة) إشَارَة إلَى أن (مِنْ) تبعيضية وفيه منع عن
الإسراف المنهي في الإنقاق وفي قَوْله تَعَالَى: (مما رزقناكم) أي مما
ملكناكم تركيب إلَى الإنفاق. وفي قول المص بعض أموالكم إشَارَة إلَى ما ذكرنا من أن
معنى رزقناكم ملكناكم والأمر للوجوب إن أُريد الإنفاق الواجب، وإلا فللقدر المشترك بين
الوجوب والندب.
قوله: (أن يرى دلائله) وأماراته وقدر الْمُضَاف ليصح تقريع قوله: (فَيَقُولَ رَبِّ)
الآية. وأشار أن الإتيان اسْتعَارَة للحصول والحضور، والْمُرَاد بالرؤية
المعرفة سواء كان بحس البصر أو لا. ولا بُعد في إرادة الرؤية البصرية فقط. لولا تحضيضية
(فَأَصَّدَّقَ) بالنصب جواب التمني أي سأل الرجعة لتدارك ما فاته من الزكاة فتحسر عَلَى
الفوات ولا يعطاها. وعن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - أنها نزلت في مانعي الزكاة كما
في الكَشَّاف فالأمر للوجوب (أمهلتني. [إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ] . أمد غير بعيد. [فَأَصَّدَّقَ] . فأتصدق) .
قوله: (بالتدارك) وفيه إشَارَة إلَى أنه لا تقصير فيه إلا ترك الزكاة؛ إذ من المعلوم أن
الصَّلَاح لا يتحقق بالإنفاق فقط. وفيه تنبيه عَلَى أعظمية الزكاة.
قوله: (وجزم أكن للعطف عَلَى مَوْضع الفاء وما بعده) لأنه في معنى إن أخرتني
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
يفعل ذلك) أي ومن يفعل اللهو عن ذكر الله (فأُولَئكَ هُمُ الْخَاسرُونَ)
أسند فعل اللهو إليهم وورد الوعيد عَلَى فعلهم اللهو فعلم منه أن الْمُرَاد نهيهم عن
اللهو لأن الوعيد يرد عَلَى ترك الانتهاء بالنهي، ثم في التعريف الجنسي في الخاسرون وتوسيط
ضمير الفصل [بينه وبين] المبتدأ إشعار بأن الكاملين في الخسران هَؤُلَاء اللاهون عن ذكر الله فإن
خسارهم فوق كل خسران حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني ودخل في هذا العموم وعيد كل
من ذهل من الجهاد في سبيل الله وشغل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طلب العلم
وعن النصيحة للمسلمين بسبب مراعاة شأن الأموال والأولاد.
قوله: وجزم أكن للعطف عَلَى موقع الفاء. حملًا عَلَى الْمَعْنَى فإن موضع الفاء مع أصدق
جزم عَلَى أنه جواب لولا ومعناه هلا أخرتني عَلَى معنى إن أخرتني أصدق وأكن. قال صاحب
الكَشَّاف: جزم أكن بالحمل عَلَى مَوْضع (فأصدق) فإن مَوْضع الفاء مع الفعل