آمَنَّا ما دمتم عَلَى عدم الإيمان فإذا زالت هذه الصّفَة ودخل الإيمان في قلوبكم فقولوا حِينَئِذٍ
أسلمنا وآمَنَّا فعلم من ذلك البيان أن هذه الْجُمْلَة الحالية ظهورها موقوف عَلَى قوله(لم
تؤمنوا)إذ الْمَعْنَى كما عرفته ما دمتم عَلَى هذه الصّفَة المعلومة من قوله (لم تؤمنوا) فأين
التكرار وأصل لما لم زيدت عليها ما وفيها توقع ولذا جعل مقابل قد كذا بينه في سورة
البقرة فنفيها متوقع ولذا اخْتيرَ عَلَى لم وأنها تفيد أن نفي الْمَاضي مستمر إلَى زمن الحال.
قوله: (أي لكن قولوا أسلمنا ولم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد) معنى(ولما يدخل
الإيمان)التَّعْبير بالدخول للمُبَالَغَة في التواطؤ المذكور نفيًا وإثباتًا ففي الدخول مجاز وفي
في مجاز أيضًا.
قوله: (بالإِخلاص وترك النفاق. [لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ] . لا ينقصكم من أجورها) .
قوله: (من لات يليت ليتا إذا نقص، وقرأ البصريان «لا يألتكم» من الألت وهو لغة غطفان)
فنقص يكون متعديًا ولازمًا وهنا الْمُرَاد الأول فضمير الخطاب مَفْعُوله بدون حذف وإيصال
قوله من أجوركم أي الْأَعْمَال مجاز لغوي للأجور لأنها سبب لها، والْقَوْل بأنه بتقدير الْمُضَاف
لا يناسب كلام الْمُصَنّف حيث لم يقل من أجورها شَيْئًا أي شَيْئًا قليلًا وحقيرًا مُسْتَفَاد من
المقام إما مَفْعُول به فيتعدى إلَى مَفْعُولَيْن أو مَفْعُول مُطْلَقًا، وعلى هذه اللغة أجوف وفي لغة
غطفان وأسد مهموز الفاء. قوله من الألت وهو النقصان أَيْضًا. قال الفاضل السعدي: إلحاق التاء
بالْفعْل. أي قالت الإعراب مع خلوه عنها في قَوْله تَعَالَى: (وقال نسوة في المدينة)
للدلالة عَلَى نقصان عقلهم بخلافهن حيث لِمْنَ امرأة العزيز في مراودتها فتاها وذلك
يليق بالعقلاء انتهى. وهذا إنما يتم إذا كان لومهن للديانة وليس كَذَلكَ بل هذا الْقَوْل منهن
للمكر والحيلة لرؤية فتاها ولذا قال تَعَالَى: (فلما سمعت بمكرهن) الآية. بل
كل جمع مؤنث غير حقيقي يجوز التذكير والتأنيث في الْفعْل المسند إليه قال تَعَالَى(قالت
امرأة العزيز)الآية. وارتباطها بما قبلها لأنها بيان بعض من ترك التَّقْوَى مع
ادعائها اتباعًا للهوى (لما فرط من المطيعين. رَحِيمٌ. بالتفضل عليهم) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)
قوله: (لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة) مطاوع رابه
بكسر الواو إذا أوقعه في الشك فارتاب. أي قيل الشك وأصله قلق النفس واضطرابها سمي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
يقولوه كأنه قيل لهم (وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) حين لم [تثبت] مواطأة قلوبكم لألسنتكم؛ لأنه كلام واقع موقع
الحال من الضمير في قُولُوا وما في لَمَّا من معنى التوقع: دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد.
قوله: إذا أوقعه في الشك مع التهمة. فالْمَعْنَى آمنوا ثم لم يقع في أنفسهم شك فيما آمنوا به
ولا اتهام لمن صدقوه واعترفوا بأن الحق معه.