الْحَديث القدسي:"إن من عبادي من يناسبه الغنى فلو أفقرته لفسد حاله، وإن من عبادي"
من يناسبه الفقر فلو أغنيته لفسد حاله"هذا نقل بالْمَعْنَى تأمل وظهر من هذا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى"
لو ضيق الرزق لفسد حاله لكنه لم يذكر بل أشير إليه بقوله (ولكن ينزل) الخ. ولعل التَّعْبير
بالتنزيل لكونه واقعًا بتقدير وإثبات في اللوح. قوله فيقدر الخ. إشَارَة إلَى أن قوله خبير
بصير جملة تذييلية مقررة لما قبلها وختم الْكَلَام بهذين الوصفين من بين الأوصاف
مناسب لأول الْكَلَام.
قوله: (روي أن أهل الصفَّة تمنوا الغنى فنزلت) هم قوم من فقراء الصحابة كانوا عَلَى
صفة في مسجد المدينة فالآية عَلَى هذا مدنية وهو مخالف لما ذكره الْمُصَنّف من أن السُّورَة
مكية بلا استثناء، إلا أن يقال إنه خبر فيما سيقع.
قوله: (وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا فإذا أجدبوا انتجعوا) إذا أخصبوا
أي إذا وسع رزقهم تحاربوا لفراغهم عن الاشتغال بكسب المعاش، وإذا أجدبوا أي إذا
قحطوا والجدب القحط انتجعوا بمعنى ارتحلوا للنُّجعة بضم النون وهي طلب الكلأ في غير
أماكنهم لعدم ما تعيش به دوابهم ومواشيهم فإذا تفرقوا لم يتيسر لهم القتال.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ(28)
قوله:(المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص الغيث بالنافع، وقرأ نافع وابن
عامر وعاصم يُنَزِّلُ بالتشديد)بالمطر النافع فلا يقال غيث لغير النافع. قَوْلُه تَعَالَى:(من بعد
ما قنطوا)يدل عَلَى أن الغيث المطر الذي ينزل حين الاحتياج. قوله
بالتشديد فيدل عَلَى كثرة نزول المطر فهو أبلغ.
قوله: (من بعد ما أيسوا منه، وَقُرئَ بكسر النون) وهو الصحيح ووقع في بعضها بفتح
النون وهو سهو من القلم لأنه قراءة شاذة وما هُوَ بفتح النون فقراءة متواترة وعادة الْمُصَنّف
التَّعْبير بصيغَة قرئ قراءة شاذة.
قوله: (في كل شيء) العموم منفهم من حذف الْمَفْعُول مع الاختصار. قوله من السهل
ضد الجبل، والْمُرَاد بالرحمة منافع الغيث وبه يظهر الجامع بين قوله ينزل وبين ينشر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإذا أجدبوا انتجعوا. أي إذا قحطوا انتفعوا أي انتفع بعضهم من بعض من نجع فيه
الخطاب والوعظ والدواء أي دخل وأثر والنُّجعة بالضم في موضعه تقول منه انتجعت وانتجعت
للانًا إذا أتيته تطلب معروفه والمنتجع المنزل في طلب الكلأ وهَؤُلَاء قوم ناجعة ومنتجعون.
قوله: الذي يغيثهم من الجدب. يريد أن أصل معنى الغيث منظور في تسمية المطر بالغيث
وهو الإغاثة والذي يستدعي ملاحظة ذلك الْمَعْنَى كون المقام مقام الامتنان.
قوله: وينشر رحمته في كل شيء، فعلى هذا هُوَ من عطف العام عَلَى الخاص فيكون قوله