تعلق إرادته فالرسل عليهم السلام يرشدون إليها لعدم الوقوف عليها بالعقل بل هُوَ موقوف
على السمع فيحتاج إلَى الرسل الموضح للحق وهو التكليف، ولما كان الإبلاغ واجبًا عَلَى
الرسل علم أنهم سبب الهداية وهم سبب لوقوف ما شاء الله وقوعه وعكسه. وهذا وجه
استفادة هذا التفصيل من قَوْلُه تَعَالَى: (فهل عَلَى الرسل) إلَى قَوْله: ثم بين
الخ. كلمة (ثُمَّ) للتراخي في الرتبة. قوله: سببًا لهدى أي لأصل الهدى ولذا لم يقل زيادة الهدى
وقال زيادة الضلال للإشَارَة إلَى أن النَّاس لا يخلو عن ضلال ما لم يبعث فيهم رسول فإذا
بعث رسول ولم يؤمن به زاد ضلالهم لإنكار ما جاء به وبه زاد ضلالهم السابق .
قوله: (ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإِلهية في الأمم كلها سببًا لهدى من أراد
اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه
ويضر المنحرف ويفنيه [بقوله] تعالى:
(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
قوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنا) الآية. يأمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت)
كالغذاء الصالح توضيح لما ذكره مع الإشَارَة إلَى جواب إشكال بأنه كَيْفَ يكون الرَّسُول
سببًا للهداية وزيادة الضلالة مع أن ما جاء به حق بالنظر إلَى الكل وأجاب بأن ذلك لتفاوت
المحال، أَلَا [تَرَى] أن الغذاء الصالح لحفظ الصحة مع أنه واحد ينفع المزاج السوي
والصحيح الجلي ويضر المنحرف المزاج وسقيم الطبع ويفنيه فمن هُوَ سوى المزاج بالتأمل
فيما جاء به الرَّسُول من المعجزات وصقل العقل واستعمله في تدبر الدلائل والنظر في
المعجزات وتعرف النبوات ينتفع انتفاعًا عظيمًا في الدارين بالنَّبيّ ومن هُوَ في خلافه لا
ينتفع به بل يتضرر به وأوضحه بتشبيه المعقول بالمحسوس. قوله بقوله متعلق بقوله ثم بين
قوله: (ولقد بعثنا) اللام جواب القسم المقدر أي وباللَّه لقد بعثنا في كل
أمة للاسْتغْرَاق العرفي مثل جمع الأمير الصاغة أي صاغة بلده أو مملكته. رسولًا أي نبيًا
فالتنكير للتفخيم أن اعبدوا الله يحتمل أن يكون أن تفسيرية ومصدرية لكن قوله يأمر بعبادة
الله تَعَالَى إشَارَة إلَى كونها مصدرية لكن لا مانع من احتمال كونها مفسرة إذ البعث متضمن
الْقَوْل. قوله يأمر منفهم من صيغة الأمر اختيارًا منه أن الأمر باقٍ عَلَى معناه ؛ إذ التقدير بأن
قال لهم أن اعْبُدُوا اللَّهَ كما مرَّ توضيحه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي. أي المزاج المستقيم القابل للصحة بسَبَب
الغذاء الصالح ويضر منحرف المزاح عن الاستقامة لعدم قابليته للصحة وفي ذلك قال بعض
العارفين:
ازقضا سر كنكبين صفرا فرود ... روغن بادام خشكي مي نمود
ازهليله قبض شد اطلاق رفت ... آب آتش رامدد شد همجو نفت