قوله: (أو من تمام قولهم) عطف عَلَى قوله من تمام كلام مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ (إن
جعل (أسحرٌ هذا) محكيًا) بجعل الاسْتفْهَام فيه للتقرير. وقيل بجعل الاسْتفْهَام صرفًا إلَى قيده
فيكون حَقيقَة الاسْتفْهَام مراده. والْمَعْنَى كأنهم قَالُوا (أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح) والحال
أنه لا يفلح الساحرون. وفيه ضعف. أما أولًا فلأن المحكى ليس مذكورًا فيه(ولا يفلح
الساحرون)والاسْتفْهَام وإن لم يكن مذكورًا فيه لكنه يمكن توجيهه بالتأويل، وأما ثانيًا فلأن
قوله: تطلب به الفلاح ليس مذكورًا في الْكَلَام، والْقَوْل بأنه يفهم من قول(ولا يفلح
الساحرون)ضعيف، وأما ثالثًا فلأن العالم بأن الساحر لا يفلح كما اعترف به
لا يسحر فَكَيْفَ يسحرون مع علمهم بهذا؟ فجعله من تمام قولهم بعيد غير سديد .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما
نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78)
قوله: (لتصرفنا واللفت والفتل أخوان) أي نظيران بمعنى كما أن القتل يجيء بمعنى
الصرف كَذَلكَ اللفت يجيء بمعنى الصرف فبَيْنَهُمَا مناسبة معنوية واشْتقَاقية وليس أحدهما
مقلوبًا عن الآخر كما نقل عن الأزهري وقوله (لتلفتنا) من اللفت وذكر القتل لكونه أشهر
في معنى الصرف سواء كان حسيًا أو معنويًا وهو الْمُرَاد هنا وبين اللفت والفتل جناس
القلب نحو حسامه فتح لأوليائه خف لأعدائه .
قوله: (من عبادة الأصنام) قيل الظَّاهر عبادة غير الله لأنهم عبدوا فرعون انتهى. ولو
ترك قوله لأنهم عبدوا فرعون لكان أولى فإنه لم يعرف أنهم عبدوا فرعون بالْعبَادَة المعروفة
بل انقادوا له وأطاعوه فيما أمرهم، ولو أريد بالْعبَادَة ما ذكر لكان له وجه. نظيره ما روي أنه
لما نزلت (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال عَدي بن
حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله. قال:"أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون"
بقولهم"قال. نعم قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"هو ذلك"كذا قاله الْمُصَنّف في سورة آل عمران"
(وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ) عطف المعلول عَلَى العلة ؛ إذ الصرف الْمَذْكُور والإيمان بهما علة
للكبرياء فالجامع بَيْنَهُمَا عقلي خص الخطاب أولًا بمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لأصالته في الرسالة
ثم خاطبوا بهما لأن هارون عَلَيْهِ السَّلَامُ مبعوث أَيْضًا إليهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو من تمام قولهم فيكون جملة (أسحر هذا) مع قوله:(ولا يفلح
الساحرون)مقول قول الكفرة المنكر بالاسْتفْهَام الإنكاري عَلَى أن يكون الهمزة في
(أسحر هذا) للتقرير أي أتقولون أي الكفرة (أسحر هذا) ولا يفلح
الساحرون) كأنهم قَالُوا: (أسحر هذا) جئت به طالبًا به الفلاح(ولا
يفلح الساحرون)فإنه لما أثبتوا له السحر وأكدوا الْجُمْلَة بـ إنَّ واللام كانوا كأنهم ادعوا
أن ما جاء به من قبيل الباطل الذي لا يفلح صاحبه لما اشتهر بين النَّاس أن السحر باطل وصاحبه غير
مفلح. أَلَا [تَرَى] إلَى قول مُوسَى (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) .