نمرود وإلزامه وما جرى من قصدهم بالسوء وإنجاء الله تَعَالَى من النار فأمر الله تَعَالَى
بالمهاجرة وعند ذلك قال وما تدعون الواو بمعنى مع .
قوله: (بالمهاجرة بديني) متعلق بـ أعتزلكم. قوله بديني محافظًا بديني ؛ إذ صحبة الأشرار
أشد من عذاب النَّار .
قوله: (واعبده وحده) أي الدعاء بمعنى الْعبَادَة مَجَازًا. قوله وحده حال أي منفردًا
والحصر مُسْتَفَاد من أعتزلكم وما تدعون. وصيغة الْمُضَارِع هنا للاسْتمْرَار وإظهار الرب
للإشَارَة إلَى علة الْعبَادَة ولذا ذكر مظهرًا في مَوْضع المضمر في (بدعاء ربي) .
قوله: (خائبًا ضائع السعي) معنى شقيًا كما تقدم في أول السُّورَة .
قوله: (مثلكم في دعاء الهتكم) إشَارَة إلَى التعريض بشقاوتهم وخيبتهم وإلا فالْمُرَاد
نفي الشقاوة مُطْلَقًا لا شقاوة مثل شقاوتهم .
قوله:(وفي تصدير الكلام ب عَسى التواضع وهضم النفس، والتنبيه على أن الإِجابة والإِثابة
تفضل غير واجبتين، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب)هذا ليس بوجه مستقل ولذا عطف عليه
قوله: والتَّنْبيه عَلَى أن الإجابة الخ. بالواو قوله والإثابة ذكرها تطفلًا. قوله غير واجب أي غير
واجب عَلَى الله تَعَالَى كما زعمت المعتزلة أو غير واجب عن الله تَعَالَى كما زعم الحكماء.
قوله: وأن ملاك الأمر عطفه بالواو لما مَرَّ بكسر الميم ما يعتمد عليه الأمر. قوله وهو أي
خاتمته غيب غائب فلا جزم فيه، ولذا صدر الْكَلَام بـ عسى وذكر كون ملاك الأمر خاتمته هنا لا
يظهر له وجه ؛ إذ الْكَلَام ليس في عاقبة أمره عَلَيْهِ السَّلَامُ بل في إجابة دعائه، إلا أن يقال إن
الْمُرَاد بالدعاء الْعبَادَة والإثابة عليها بعدم إضاعتها، والْأَنْبيَاء عليهم السلام وإن كانوا مأموني
العاقبة لكنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قال ذا تواضعًا وهضم النفس. وقد عرفت أن العلة ليست كل واحد
منها بل المجموع، وإلا فبين العلل نوع تنافر يظهر بالتأمل بالهجرة إلَى الشام .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا
نَبِيًّا (49)
قوله:(بدل من فارقهم من الكفرة، قيل إنه لما قصد الشام أتى أولًا حران وتزوج بسارة
وولدت له إسحاق وولد من يَعْقُوب)بدل من فارقهم إشَارَة إلَى وجه سببية اعتزالهم لهبة
إسحاق ويَعْقُوب عليهما السلام وأن السبب هنا اتفاقي منزل منزلة اللزوم لم يذكر مفارقة ما
يعبدونه لأنه لا يصلح [للبدلية] مع أن مفارقة الكفرة مستلزمة لكون مفارقته لشركهم .
قوله: (ولعل تخصيصهما بالذكر لأنهما شجرتا الْأَنْبيَاء) أي إسحاق ويَعْقُوب شجرتا
الْأَنْبيَاء أي أصلهما ؛ إذ الشجرة هنا بمعنى الأصل لأنها أصل الثمرة فشبه بها إسحاق
ويَعْقُوب عليهما السلام لأنهما أصل الْأَنْبيَاء من بَني إسْرَائيلَ الَّذينَ هم كالثمار النافعة البهية
اللذيذة ففي كلامه إشَارَة إلَى هذا التشبيه أَيْضًا .