قوله: (الذي دل عليه الطاعة) أي في ضمن أطيعوا دلالة المقيد عَلَى المطلق لكن
الأوضح الذي دل عليه أطيعوا إلا أنه أمر خاص ومع ذلك يشتمل جميع الأوامر .
قوله: (الْقُرْآن والمواعظ سماع فهم وتصديق) أي اللَّفْظ يراد به ما هُوَ كمال المسمى
أشار إليه بقوله سماع فهم ويراد به أَيْضًا ما هُوَ المقصود المشار إليه بقوله وتصديق والمآل
متحد، وإنما اعتبر لمقابلته قوله: (ولا تكُونُوا) الآية. ثم هذه الْجُمْلَة الحالية
المشعرة بتَقْييد النهي عن التولي بحال السماع لبيان أن التولي عنه في تلك الحال شنيعة
شنعاء لا يعرف كنهها. حاصله أنه للتوبيخ والتثريب لا التَّقْييد فلا مفهوم عند القائل به فضلا
عمن لم يرض به. وقيل هذه الْجُمْلَة لتأكيد وجوب الانتهاء عن التولي مُطْلَقًا لا لتَقْييد النهي
عنه بحال السماع انتهى. ولا يخفى ضعفه وخروجه عن الظَّاهر الْمُتَبَادَر ويمكن إرجاعه
بأدنى عناية إلَى ما ذكرنا .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ(21)
قوله: (كالكفرة والْمُنَافقينَ) أي بالكفر باطنًا إذًا للكفرة المجاهرون لم يدعوا ذلك
فقوله والْمُنَافقينَ عطف تفسير له .
قوله: (الَّذينَ ادعوا السماع سماعًا ينتفعون به فكأنهم لا يسمعون رأسًا) ادعوا السماع
أي السماع المقرون بالفهم والتصديق ولذا أنكر الله تَعَالَى عليهم بقوله: (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)
سماعًا ينتفعون به يعني أن المنفي كمال السماع والمقصود منه لا نفس السماع وقد عرفت أن
اللَّفْظ كما يطلق عَلَى المسمى يطلق عَلَى ما هُوَ كماله والمقصود منه، كَمَا صَرَّحَ به آنفًا لكن
نفس عنهم السماع مُطْلَقًا للتنبيه عَلَى أن سماعهم لعدم ترتب ما هُوَ المقصود عليه كلا سماع
ومنزل منزلة العدم، وعن هذا قال تَعَالَى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) الآية. فالْكَلَام
محمول عَلَى الاسْتعَارَة أفإر إليه بقوله: فكأنهم لا يسمعون رأسًا لكنه جعل المشبه والمشبه
به الذوات أخذًا للحاصل والظَّاهر ما قلنا من المشبه والمشبه به السماع الْمَذْكُور وعدم
السماع. والحاصل أن الاسْتعَارَة في المصدر أصلية وفي المُشْتَق تبعية .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ(22)
قوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) مُسْتَأْنَفَة سيقت لبيان فرط سوء حال المشبه به والتَّأْكيدات
للمُبَالَغَة في تحققه .
قوله: (شر ما يدب عَلَى الْأَرْض) هذا بناء عَلَى أن الْمُرَاد بالدابة معناها اللغوي .
قوله: (أو شر البهائم) هذا عَلَى تقدير كون الْمُرَاد بالدابة الْمَعْنَى العرفي قدم اللغوي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: شر ما يدب عَلَى الْأَرْض أو شر البهائم. الوجه الأول مبني عَلَى ما عليه أهل اللغة فإن
لفظ الدَّابَّة عندهم موضوع لكل ما يدب عَلَى الْأَرْض، والثاني محمول عَلَى العرف العام فإن لفظ
الدابة يستعمل في متعارف النَّاس فيما له القوائم الأربع .