قوله: (أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم) أو يلقون مسموعهم أي السمع بمعنى
المسموع مَجَازًا عطف عَلَى قوله يلقون السمع إلَى الملأ الخ. منهم أي من الملأ الأعلى إلَى
أوليائهم وكون مسموعهم من الْمَلَائكَة مُسْتَفَاد من الفحوى.
قوله:(وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم لا على نحو ما تكلمت به
الملائكة لشرارتهم، أو لقصور فهمهم أو ضبطهم)وأكثرهم كاذبون. أي عَلَى الوجهين قد
عرفت أن أكثرهم عَلَى ظاهره؛ إذ لا موجب لتأويله بالكل. قوله فيما يوحون به الخ. هذا القيد
بمعونة المقام ولا ينافيه أنهم كاذبون أَيْضًا في غيره لكنه لا مساس له هنا. قوله لشرارتهم
فيتعمدون الكذب بمقتضى طبائعهم الخبيثة أو لقصور فهمهم فحِينَئِذٍ لا تعمد لهم في
الكذب، وكذا في قوله أو ضبطهم أي وإن كان فهمهم غير ناقص لكن ضبطهم قاصر.
قوله: (أو إفهامهم) بكسر الهمزة أي منشأ كذبهم نقصان إفهامهم ما يلقون إلَى
أوليائهم كلمة (أو) لمنع الخلو.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ(224)
قوله: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) تقديم المسند إليه عَلَى الخبر الفعلي للحصر
وفيه دلالة عَلَى أن الشعراء غاوون أَيْضًا ففيه إيجاز لطيف. والْمَعْنَى والشعراء غاوون ولا
يتبعهم إلا الغاوون.
قوله: (وأصحاب مُحَمَّد صلى اللَّه تَعَالَى عليه وسلم ليسوا كذلك، وهو اسْتئْنَاف أبطل
كونه عليه الصلاة والسلام شاعرا وقرره بقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ) الآية. وهو اسْتئْنَاف أبطل الخ.
إشَارَة إلَى ما ذكرنا وبيان وجه ارتباطه بما قبله أي أبطل كونه شاعرًا كما أبطل كون ما
يأتي به من قبل الكهانة ويفهم منه أَيْضًا إبطال كونه ساحرًا بطَريق الأولوية لأن
الساحرين لا يتبعهم إلا الغاوون بلا استثناء، وأتباع الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ ليسوا كَذَلكَ
[قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ(225) ]
(أَلَمْ تَرَ) خطاب لمن يصلح أن يخاطب للتعجيب وتَخْصيصه به عليه
السلام ليس بمناسب وضمير أنهم للشعراء وتَجْويز كونه للغاوين لا يلائم الاستثناء
وتقرير المص في كل وادٍ. أي من أودية الْقَوْل الفاسد والوادي هُوَ المَوْضع الذي يسيل
الماء فيه بكثرة وقد يستعمل في الماء الجاري فيه مَجَازًا، والْمُرَاد هنا فنون الْقَوْل وطرقه
كما فصله المص. وجه الاسْتعَارَة مظان الهلاك فكما أن الوادي مظن الهلاك الحسي
كَذَلكَ الأقوال الكاسدة مظنة الهلاك المعنوي، والجامع مطلق مظنة الهلاك والكل في
مثل هذا بمعنى الأكثر، ولك أن تقول: إن الاسْتغْرَاق عرفي (يَهِيمُونَ) .
أي يخوضون في كل لغو كما فصله المص. وأصل الهيام أن يذهب الرجل عَلَى وجهه
من عشق أو غيره حاصله التحير وهو تَرْشيح للاسْتعَارَة الْمَذْكُورة؛ إذ التحير من ملائمات