قَوْلُه تَعَالَى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(29)
قوله: (أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي) وهذا التفريع هُوَ الْمُرَاد
بهذا الْإخْبَار.
قوله:(وعفو بعض المذنبين لبعض الْأَسْباب ليس من التبديل فإن دلائل العفو تدل
على تَخْصيص الوعيد)وعفو بعض المذنبين وهو من عصاة الموحدين بارْتكَاب الكبائر
جواب سؤال مقدر لبعض الْأَسْباب كالشفاعة مثلًا ليس من التبديل لعدم تناولهم فإن دلالة
العفو تدل عَلَى تَخْصيص الوعيد أي وعيد (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أو آيات
الوعيد فيكون عامًا خص منه البعض، وأما في حق الْكُفَّار فباقٍ عَلَى عمومه لقَوْله تَعَالَى:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) الآية. فلا بد أن يخصص
هذا الْقَوْل جمعًا بين النصوص ولهذا المقام تفصيل في علم الْكَلَام.
قوله: (فأعذبَ) بالنصب عَلَى أنه جواب النفي.
قوله: (من ليس لي تعذيبه) أي من ليس بمستحق بالعذاب قد مَرَّ مرارًا أن الْمُرَاد
في مثله صورة الظلم فإنه تَعَالَى لو عاقب المطيع لا يكون ظلمًا؛ لأنه تصرف في ملكه
لكنه يكون في صورة الظلم وهذا هُوَ الْمُرَاد بالنفي، وصيغة المُبَالَغَة للمُبَالَغَة في النفي لا
لنفي المُبَالَغَة بأن يلاحظ أولًا النفي ثم ملاحظة المُبَالَغَة، ولو عكس لعكس قد مَرَّ في
أواخر سورة فصلت.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ(30)
قوله: (سؤال وجواب جيء بهما للتخييل والتصوير) أي سؤال بحسب الظَّاهر؛ إذ
كلمة هل للاسْتفْهَام وحقيقته هنا محال وجواب وهو قول (هل من مزيد) وهنا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
فالْمَعْنَى وقد قدمت إليكم هذا الْقَوْل وهو ما يدل الْقَوْل لدي كائنًا بالوعيد ومتضمنًا له.
قوله: فأعذب من ليس لي تعذيبه. لفظ فأعذبَ بالنصب أي لا يكون مني ظلم للعباد وتعذيب من
ليس لي تعذيبه. قال صاحب الكَشَّاف: في لفظ المُبَالَغَة في ظلام وجهان أن يكون من قولك هُوَ ظالم
لعبده وظلام لعبيده، وأن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلامًا مفرط الظلم، فنفي ذلك. يعني
المُبَالَغَة فيه إما بحسب الكم وكثرة العبيد فهو الوجه الأول وإما بحسب الكيف، والْمُرَاد شدة الظلم لأن
الْفعْل الصادر من الملك العظيم الشأن كان في الغاية. أي فعل كان فلو قدر وفرض أنه سبحانه وتَعَالَى
ظلم لكان ظلمه في النهاية، لكنه تَعَالَى لا يصدر منه ظلم ما. قَالَ صاحب الانتصاف: إن فعالًا ورد بمعنى
فاعل أو إن المنسوب في المعتاد إلَى الملوك من الظلم عَلَى حسب ملكهم إن عظيمًا فعظيم وإن حقيرًا
فحقير، فلما كان ملك الله عَلَى كل شيء فلو نسب إليه الظلم لكان ظلامًا.
قوله: سؤال وجواب جيء بهما للتخييل والتصوير. قال صاحب الانتصاف: تقدم إنكار لفظ
التخييل في قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
فهَاهُنَا أولى فإن تلك الآيات لا بد من حملها عَلَى الْمَجَاز والمنكر لفظ التخييل الذي