دوابهم الظَّاهر من كلامه أن في (يركضون) تضمينا وجعل المضمن وهو
يهربون أصلًا والمضمن فيه قيدًا، ولا مانع من حمل الركض عَلَى الْحَقيقَة كما هُوَ المشاهد
في الهاربين عن العدو ونحوه لكن مع التَّضْمين.
قوله: (أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم) فحِينَئِذٍ يكون (يركضون) .
اسْتعَارَة تبعية. وجه الشبه فرط الإسراع كما نبه عليه لكن لا حاجة إليه لما مَرَّ من إمكان
الحمل عَلَى الْحَقيقَة مع اعتبار التَّضْمين.
قَوْلُه تَعَالَى: (لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ(13)
قوله: (عَلَى إرادة الْقَوْل أي قيل لهم اسْتهْزَاء لا تركضوا) بأي معنى كان اسْتهْزَاء لأن
حَقيقَة النهي ليست بمقصودة.
قوله: (إما بلسان الحال أو المقال، والقائل ملك أو من [ثم] من الْمُؤْمنينَ) إما بلسان
الحال فالْقَوْل المقدر جاز قدمه لأنه هُوَ الظَّاهر في مثل هنا مع أنه أنطق من لسان الحال فإذا
كان اسْتهْزَاء في لسان المقال فكونه اسْتهْزَاء في لسان الحال أولى لقوة دلالته. قوله والقائل أي
على تقدير كونه بلسان المقال ملك. أي ملك العذاب أو من [ثم] من الْمُؤْمنينَ ولا مانع من
الجمع فأو لمنع الخلو وقد جوز كون القائل بعض اتباع [بختنصر] وهو بعيد لأنه يقتضي
تَخْصيص العذاب بما هُوَ في يد [بختنصر] وهو مع عدم كونه دليلًا عليه ينافي التهديد بنزول
العذاب بأهل قرية كانت ظالمة عَلَى العموم، وهذا في زجر قريش عن تكذيب الرَّسُول عليه
السلام وإيذاء أصحابه الكرام وهو الْمُرَاد في قصة إهلاك الأمم الخالية.
قوله: (وارجعوا) الأمر هنا أَيْضًا للاسْتهْزَاء وهو ظَاهر.
قوله: (من التنعم والتلذذ والإِتراف إبطار النعمة) من التنعم أَشَارَ إلَى أن الشرف
التنعم والإتراف من الإفعال إبطار النعمة الإبطار الإيقاع في البطر الذي هُوَ الفرح والكِبْر.
قوله: (التي كانت لكم) قبل نزول العذاب وسكنتم فيه وهذا مما أترفوا من قبيل
عطف الخاص عَلَى العام لكونها من أعظم أفراد النعمة. قوله التي كانت لكم إشَارَة إلَى أن
الْإضَافَة للاخْتصَاص بطَريق الملكية والسكنى كما هُوَ الظَّاهر أو بطَريق السكنى فقط، وأما
تفسيره بالنَّار فمع عدم ملائمته بـ ارجعوا لا يكونون داخلين في النَّار حِينَئِذٍ فلا بد من
التمحل كما في (ارجعوا) .
قوله: (غدًا من أعمالكم) غدًا مُسْتَفَاد من صيغة الْمُضَارِع وأن الْمُرَاد بالغد بعد هذا
اليوم مَجَازًا وصيغة الترجي للاسْتهْزَاء أَيْضًا؛ إذ الترجي إنما يستعمل في الأمور المترقبة من
المنافع العظيمة أو لعل بمعنى كي.