مائتان وثمانون وسبع آيات مدنية
بسْم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحيم
(سورة البقرة مدنية) بالاتفاق والاصْطلَاح الْمَشْهُور المُسْتَقرّ أن المدني ما نزل
بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة فنزول قَوْلُه تَعَالَى:(واتَّقُوا يَوْمًا ترجعون فيه إلَى
الله)الآية. في حجة الوداع يوم النحر لا ينافي كونها مدنية فلا حاجة
إلى الاستثناء وكون هذه الآية. آخر آية نزلت قد صرح به الْمُصَنّف هناك، فلا وجه
لإنكاره ومن تمشى عَلَى اصْطلَاح غير هذا فيحتاج إلَى الاستثناء ونظائره كثيرة كما
ستسمعه من الْمُصَنّف في أوائل السور وقد ورد في الخبر الصحيح أنه قال عليه
السلام:"من قرا الْآيَتَيْن من آخر سورة البقرة كفتاه"، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف في آخر
السُّورَة، فلا وجه للْقَوْل بأنه استكره سورة البقرة ويَنْبَغي أن يقال السُّورَة التي ذكر فيها
البقرة كما قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"السُّورَة التي يذكر فيها البقرة فسطاط الْقُرْآن فتعلموها"
فإن الخبر الناطق بصحة إطلاق سورة البقرة راجح لما روي في البخاري عن عائشة
-رضي الله تَعَالَى عنها - ما نزلت سورة البقرة إلا وأنا عنده صلى الله تَعَالَى عليه وسلم
وهو مرجح بالراوي ومخرجه عَلَى أن الْحَديث الْمَذْكُور لا يدل عَلَى كراهة ذلك
الإطلاق لعدم النهي فيه، وأما نقل البعض من أن البيهقي وغيره عن أنسٍ رضي الله
تَعَالَى عنه مرفوعًا لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا
الْقُرْآن كله ولكن قولوا السُّورَة التي يذكر فيها البقرة والتي يذكر فيها آل عمران
وهكذا فإسناده ضعيف حتى أن ابن الجوزي ادعى أنه موضوع وإن رده ابن الحجر
بأن البيهقي رواه بسند صحيح موقوف عَلَى علي - رضي الله تَعَالَى عنه -، وأنت خبير بأن
حديث البخاري راجح، كَمَا صَرَّحَ به في أصول الْحَديث مع أن الموقوف لا يعارض
المرفوع والْحَديث الْمَذْكُور أولا مما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله
تَعَالَى فلا يقاومه ما رواه البيهقي وإن سلم صحته، وأما الْقَوْل بأنه مكروه في ابتداء
الْإسْلَام تجافيًا عن طعن الْمُشْركينَ ثم نسخ بعد ظهور شوكة الْإسْلَام فضعيف؛ إذ
التاريخ غير معلوم عَلَى أن سورة البقرة نزلت في المدينة كما دل عليه حديث عائشة
-رضي الله تَعَالَى عنها - وقد ظهرت حِينَئِذٍ سطوع الْإسْلَام وشوكة الأنام قيل وقد أخرج
ابن أبي حاتم عن عكرمة أن الْمُشْركينَ قَالُوا سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزئون