حيث قال لما علم الخ. وترك التفضل إشَارَة إلَى أن التَّوْبَة ليست بشرط للعفو عندنا خلافا
للمعتزلة، أَلَا [تَرَى] أن قوله (والله ذو فضل عَلَى الْمُؤْمنينَ) ينادي عَلَى
حَقيقَة مذهبنا لأنه جملة تذييلية مقررة لمفهوم ما قبله وهو أن ذلك العفو بطَريق التفضل
والإحسان لا بالتَّوْبَة والندامة بالجنان وإن العفو لا يجب عليه بالتَّوْبَة .
قوله: (يتفضل عليهم بالعفو أو في الأحوال كلها) هذا التَّخْصِيص بقرآن قوله:
(ولقد عفا عنكم) ، أو في الأحوال كلها بالنظر إلَى نفس الأمر فيدخل
التفضل بالعفو دخولًا أوليًّا .
قوله: (سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضًا رحمة) عظيمة حيث يمحو بها
الذنوب والشَّهَادَة أعظم المراتب وصيغة الْمُضَارِع للاسْتمْرَار وإن كان الْمُنَاسب لقوله:
(ولقد عفا عنكم) صيغة الْمَاضي .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي
أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153)
قوله: (متعلق بصرفكم) الظَّاهر أن الصرف حين العصيان والإصعاد بعد الصرف لا
وقت الصرف فالْمُرَاد بالوقت الأمر الممتد المتسع لابتداء التنازع والعصيان وعدم الانتظار
ودعوة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قوله:(أو ليبتليكم أو بمقدر كاذكروا. والإِصعاد الذهاب والإِبعاد في الأرض يقال:
أصعدنا من مكة إلى المدينة)هذا عَلَى قراءة الباء التحتية الْمَذْكُورة في الكَشَّاف ظاهر، وأما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
تعميمه للأحوال ثانيًا نظرًا إلَى ذكره مُطْلَقًا، فيحتمل أن يكون ترك التقيد لإفادة التعميم .
قوله: إذ الابتلاء أَيْضًا رحمة تعليل لشمول الفضل للأحوال كلها. أما إذا كان المداولة لهم فظَاهر
أنها فضل، وأما إذا كانت عليهم فكونها فضلًا فيه نوع شبهة فأزالها بقوله: إذ الابتلاء أيضًا رحمة .
قوله: أو بمقدر كاذكر قيل الصواب أن يقال كاذْكُرُوا لأن المخاطب عند إضمار اذكر هُوَ
الرَّسُول والمخاطب بـ (تصعدون) الَّذينَ تركوا رسول اللَّه وفروا فيكون الْمَعْنَى اذكر يا مُحَمَّد إذ
تصعدون أيها الفارون وهذا كما ترى لا معنى له، وأما إذا قدر اذْكُرُوا يكون المخاطبون بـ اذْكُرُوا
وتصعدون الفارين التاركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيستقيم الْمَعْنَى فالوجه أن يقدر اذْكُرُوا عَلَى صيغة
الجمع أو يكون تقدير اذكر عَلَى قراءة (يصعدون) بالياء عَلَى الغيبة. وأجابوا عنه بوَجْهَيْن: أحدهما أن
يقال ليس الْمُرَاد أنه منصوب بصيغَة أمر الواحد، وإنَّمَا الْمُرَاد بيان جنس العامل، والثاني أنه من باب
قَوْلُه تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبيّ إذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاءَ) .