من قبل هذا إلَى يومنا فلا [تثبت] الدلالة الْمَذْكُورة، لكن لا يضر المص لأنه في صدد بيان
الاحتمالات، ولا ريب في كون ما ذكره احتمالًا صحيحا بل راجحًا.
قوله: (أو محكم من المِرة يقال أمررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم) أو محكم
تفسير آخر لـ مستمر من المِرة بكسر الميم الْقُوَّة يقال: أمررته فاستمر إشَارَة إلَى أن مستمرًا
مطاوع الإمرار فلذا قال إذا أحكمته فاستحكم فيفيد المُبَالَغَة وأصله مصدر مررت الحبل مرة
إذا فتلته فتلًا محكمًا فأريد به مطلق المحكم مَجَازًا مرسلًا مَشْهُورًا ملحقًا بالْحَقيقَة، فأشار
بقوله إذا أحكمته فاستحكم أن المحكَم بفتح الكاف والمستحكم بكسر الحاء وكسرها لحن
خطأ لأن استحكم لازم مطاوع أحكم كما نبه عليه المص.
قوله: (أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته) أي مستمر بمعنى مستبشع أي
منفور عنه لشدة مرارته المعنوية عَلَى زعمهم الباطل.
قوله: (أو مار) أي مستمر بمعنى مار؛ إذ الاستفعال قد يجيء بمعنى الثلاثي لكنه نادر
ولذا أخَّره.
قوله: (ذاهب لا يبقى) لزم للمرور وهذا اللازم هو الْمُرَاد؛ إذ معنى المرور هُوَ
اللصوق بشيء لا يستقيم هنا. قوله لا يبقى إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالذهاب الذهاب المعنوي
والْمُرَاد عدم بقاء نوعه؛ إذ لا بقاء لشخصه أو عدم بقاء أثره، فعلى هذا يكون تسلية لأنفسهم
بأن حاله وما ظهر في يده من السحر سحابة [صيف] عن قريب تقشع [وتنكشف] .(قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ) (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ(3)
قوله: (وهو ما زين لهم الشَّيْطَان) إسناد التزيين إليه مجاز ومن المزين مَجَازًا
القوى الحيوانية والأمور البهية والأشياء الشهية واكتفى به هنا لأنه فرد كامل في التزيين
وأصل في التَّكْذيب.
قوله: (من رد الحق بعد ظهوره) إشَارَة إلَى أن مَفْعُول كذبوا الحق مُطْلَقًا لا النبوة
فقط. قوله بعد ظهوره بالآيات الدَّالَّة عليه وهو يؤيد ما قلنا من أن الأَولى تعميم الآيات إلَى
المعجزات وغيرها.
قوله: (وذكرهما بلفظ الْمَاضي للإشعار [بإنهما] من عاداتهم القديمة) أي أنه مَعْطُوف عَلَى
يعرضوا أو يقولوا. فالأصل في الشرط والْجَزَاء المستقبل ولا يخالف لفظًا إلا لنكتة وهي ما ذكره
الْمُصَنّف من الإشعار بأنهما من عادتهم القديمة فكأنهما ماضيان بالنسبة إلَى الإعراض، والْقَوْل
بالسحر المستمر وهذا مثل قَوْلُه تَعَالَى: (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) بعد قوله:(إِنْ
يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ)قال
الْمُصَنّف هناك: ومجيئه وحده بلفظ الْمَاضي للإِشعار بأنهم ودوا ذلك قبل كل شيء وأن ودادتهم
حاصلة وإن لم يثقفوكم، فالْمَعْنَى هنا وأن تَكْذيبهم حاصل وإن يروا آية فترتبه عَلَى إن لم يروا آية