قوله: (وقيل بدل من كَذَلكَ) أي من الكاف الذي بمعنى المثل كذا قيل. ففي كلام
الْمُصَنّف مسامحة، والْمُرَاد بالبدل بدل الكل؛ إذ إنجاء الْمُؤْمنينَ كون مثل الإنجاء الذي قبله
كونه حقًا عَلَى الله، ولذا لا يحتاج إلَى الضَّمير، وهذا عَلَى احتمال كون كَذَلكَ إشَارَة إلَى
الإنجاء المتقدم والكاف للتشبيه، وأما عَلَى الوجه الآخر فلا يسوغ البدلية(وقرأ [حفص]
والكسائي «نُنَجِّي» مخففا) .
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104)
قوله: (خطاب لأهل مكة) أي اللام في النَّاس للعهد والمعهودون كفار مكة وهم وإن
لم يذكروا لكنهم معلومون لأن شمس النبوة طلعت بين أظهرهم. وقيل آثر الخطاب باسم
الجنس مصدرًا بحرف التببه تعميمًا للتبليغ وإظهارًا لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم انتهى.
فاللام للجنس لما ذكره فحِينَئِذٍ يكون الخطاب للموجودين الحاضرين أو الغائبين
وللمعدومين بطَريق التَغْليب، وهذا وإن أمكن اعتباره عند اللبيب لكن لا يخلو عن تكلف مع
أن العموم يستفاد منه بطَريق دلالة النص فما ذكره الْمُصَنّف هُوَ المعول.
قوله: (وصحته) إشَارَة إلَى تقدير مضاف أو إلَى حاصل الْمَعْنَى، وإنما اعتبرها؛ إذ نفس
الدين معلوم لهم بالمشاهدة لكن شكهم في صحته ومطابقته لما في نفس الأمر، ولو قيل
وحقيته بدل وصحته لكان [أليق] وأنسب للشك، وإنما لم يذكر الإنكار مع أن أكثرهم منكرون
للتنبيه عَلَى أن الشك فيه مستبعد فضلًا عن الإنكار؛ ولهذا السر عبر بـ إن؛ إذ المقام لاشتماله
على ما يقلع الشك عن أصله لا يصلح إلا لفرضه كما يفرض المحال.
قوله: (فهذا خلاصة ديني اعتقادًا وعملًا) أقحم خلاصة؛ إذ هذا الْمَذْكُور ليس
مجموع الدين بل خلاصته؛ إذ التوحيد خلاصة العلم والاعتقاد والاستقامة منتهى العمل
كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف في سورة الأحقاف في قَوْله تَعَالَى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا)الآية. والْمَذْكُور في هذه الآية مجموع الأمرين أشار إليه في
أثناء التَّفْسير والتقرير، ولما كان مرجع الدين هذه الخلاصة قال صاحب الكَشَّاف: فهذا
ديني ولا حرج فيه اعتقادًا وعملًا، ولما كان الدين عبارة عن هذين الأمرين قال اعتقادًا
وعملًا والأخلاق داخلة في العمل.
قوله: (فاعرضوها عَلَى العقل الصرف) أي اللب الخالص الغير المشوب بالوهم.
الظَّاهر أن هذا إشَارَة إلَى جزاء الشرط؛ إذ الشك يكون سببًا للأمر بالعرض الْمَذْكُور لكن لما
كان الأمر بالعرض الْمَذْكُور متوقفًا عَلَى بيان خلاصة الدليل أقيم قَوْلُه تَعَالَى:(فَلا أَعْبُدُ
الَّذِينَ)الآية. الناطق لهذه الخلاصة مقام ذلك الْجَزَاء. قيل: إنه ذكر فيه
وَجْهَيْن. أحدهما: الشك في نفس الدين من أي الأديان هُوَ وهذا إذا قلنا إنهم لا يعرفون دينه
كما كانوا يقولون صبأ. فقوله وصحته وسداده بيان للدين لكنه مستدرك لأن الْكَلَام في حقية