السلام إثر بيان كفرهم بكون كل المطعومات حلالًا لهم فظهر كذبهم أَيْضًا في دعوى
اتباعهم له عَلَيْهِ السَّلَامُ فاتضح وجه ارتباطها بما قبلها، ولما كان المفرد المنكر في حكم
الجمع لدلالته عَلَى الفرد المنتشر حسن إضافة أول إلَى البيت .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدًى لِلْعالَمِينَ(96)
قوله: (أي وضع للعبادة وجعل متعبدًا لهم) إشَارَة إلَى تقدير الْمُضَاف فلا ينافيه وجود
بيت بنيت قبل هذا كما قيل وقد كانت قبله بيوت. قوله وجعل متعبدًا لهم عطف تفسير لقوله
وضع للعبادة ونبه به عَلَى أن الوضع هنا بالْمَعْنَى اللغوي وهو الجعل .
قوله: (والواضع هُوَ الله تَعَالَى) أي جاعله وآمره ولو قال والجاعل بدل الواضع لكان
أحسن، وإطلاق الواضع عَلَى الله تَعَالَى ليس بطَريق الاسم ولا بطريق الصّفَة وفَائدَة البيان
هي أن بناء البيت بأمر الله تَعَالَى.
قوله: (ويدل عليه أنه قرئ عَلَى البناء للفاعل) وجه الدلالة أنه مذكور في قوله
تَعَالَى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ) الآية.
قوله: (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) خبر إن، وإنَّمَا أخبر بالمعرفة مع كون اسمها نكرة لتخصصها
بالْإضَافَة والوصف بالْجُمْلَة بعدها .
قوله: (للبيت الذي ببكة وهي لغة في مكة كالنبيط والنميط وأمر راتب وراتم ولازب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهي لغة في مكة يعني أنهم قَالُوا هما لغتان معناهما واحد نحو قولهم النبيط والنميط
في اسم مَوْضع، وفي الكَشَّاف ونحوه من الاعتقاب أمر راتب وراتم وحمى مغمطة ومغبطه وأمر
راتب أي قائم، والمغمطة الشديدة الدائمة يقال حمى مغمطة، وذكر بعضهم أن الأصح عدم الاعتقاب
في مكة وبكة لأن كثرة الأعلام شرف وكل [واحد] منهما مستقل باشْتقَاق واضح ولا اشْتقَاق في
أحد لفظي الاعتقاب نحو حسن وبسن وشيطان وليطان فإن بسن وليطان ليس لفظًا موضوعًا لمعنى
بخلاف بكة ومكة فإن كلا منهما موضوع لمعنى. ثم نقل عن معناه الأصلي إلَى المَوْضع المعروف
شرفه الله. أما لفظة بَكَّةَ فإما أن يكون[مِنَ الْبَكِّ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ دَفْعِ الْبَعْضِ بَعْضًا، يُقَالُ: بَكَّهُ يَبُكُّهُ بَكًّا إِذَا دَفَعَهُ وَزَحَمَهُ، وَتَبَاكَّ الْقَوْمُ إِذَا ازْدَحَمُوا فَلِهَذَا
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَتْ مَكَّةُ بَكَّةَ لِأَنَّهُمْ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا أَيْ يَزْدَحِمُونَ فِي الطَّوَافِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ
قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ يُصَلِّي فَمَرَّتِ امْرَأَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَهَبْتُ أَدْفَعُهَا فَقَالَ: دَعْهَا فَإِنَّهَا سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهُ يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، تَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَالرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تُصَلِّي لَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ لَا يُرِيدُهَا جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا انْدَقَّتْ عُنُقُهُ قَالَ قُطْرُبٌ:
تَقُولُ الْعَرَبُ بَكَكْتُ عُنُقَهُ أَبُكُّهُ بَكًّا إِذَا وَضَعْتَ مِنْهُ وَرَدَدْتَ نَخْوَتَهُ]
[وَأَمَّا مَكَّةُ فَفِي اشْتِقَاقِهَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنْ أَنَّهَا تَمُكُّ الذُّنُوبَ أَيْ تُزِيلُهَا كُلَّهَا، مِنْ قَوْلِكَ: امْتَكَّ الْفَصِيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ، إِذَا امْتَصَّ مَا فِيهِ الثَّانِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِلَابِهَا النَّاسَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْأَرْضِ، يُقَالُ امْتَكَّ الْفَصِيلُ، إِذَا اسْتَقْصَى مَا فِي الضَّرْعِ، وَيُقَالُ تَمَكَّكْتُ الْعَظْمَ، إِذَا اسْتَقْصَيْتَ مَا فِيهِ الثَّالِثُ: سُمِّيَتْ مَكَّةَ، لِقِلَّةِ مَائِهَا، كَأَنَّ أَرْضَهَا امْتَكَّتْ مَاءَهَا الرَّابِعُ: قِيلَ: إِنَّ مَكَّةَ وَسَطَ الْأَرْضِ، وَالْعُيُونُ وَالْمِيَاهُ تَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ مَكَّةَ، فَالْأَرْضُ كُلُّهَا تَمُكُّ مِنْ مَاءِ مَكَّةَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَبَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ