الظَّاهر وإن سلم أنه سبب النزول؛ إذ خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم؛ إذ التناجي
يوهم الشر والضر بأي ضر كان. وعن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون"
صاحبهما فإن ذلك يحزنه"كما في الكَشَّاف فظهر أن العموم أولى وما ذكره يدخل دخولًا"
أوليًا. قوله بمشيئته أي الإذن هنا بمعنى المشيئة.
قوله: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ولا يبالوا بنجواهم) لأنه شأن الإيمان الكامل كأنه
قيل: فليوكل الْمُؤْمنُونَ لإيمانهم باللَّه وأنه النافع الضار لا غير. والتقدير: فليتوكل عَلَى الله
جمع بين الحرفين في عطف الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة لتقدم الصلة للاخْتصَاص كان الواو
للعطف، والفاء لإفادة التسبب فحسن الجمع الْمَذْكُور لعدم توالي الحرفين والفاء للسببية؛ لأن
كون الضر من مشيئة الله تَعَالَى سبب للتوكل والأمر بالتوكل، ولذا قال ولا يبالوا (بنجواهم) .
قَوْلُه تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا
قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)
قوله:(توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم: افسح عني أي تنح، وقرئ
«تفاسحوا» )من أفسح عني أي تنح وابعد عني فإذا تنحى عنه توسع المجلس فقوله توسعوا
لازم تفسحوا وهو التفعل بمعنى التفاعل ويؤيده قراءة تفاسحوا.
قوله: (والْمُرَاد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع) والْمُرَاد بالمجلس
الجنس أي اللام للجنس ويدخل مجلس الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ دخولًا أوليًّا.
قوله: (أو مجلس رسول اللَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنهم كانوا يتضامون به) فـ [حِينَئِذٍ] قراءة الجمع
للتعظيم والحكم في سائر المجالس يعلم بدلالة النص.
قوله: (تنافسًا على القرب منه وحرصًا على استماع كلامه) تنافسًا أي رغبة فافسحوا
اخْتيرَ الثلاثي هنا؛ لأن التفسح من ظرف واحد يكفي في التوسيع والظَّاهر أن الأمر للندب.
قوله: (فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها) المكان قدمه
لأنه الْمُنَاسب للمرام وما عداه نعمة غير مترقبة، والفسح في المكان بجعل الله تَعَالَى واسعًا
بتبعد العباد بعضها عن بعض. وتوسيع الصدر انشراحه بإزالة ما يوجب الانقباض والحزن.
قوله: (انهضوا للتوسعة) انهضوا أي قوموا للتوسعة وهذا مناسب لما قبله.
قوله: (أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد، أو ارتفعوا عن المجلس) أو لما أمرتم به لا
مناسبته لما قبله سوى أن المتعاطفين من الميراث فكان الجامع خياليًا بالنسبة إلَى
بعض الأذهان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تنافسًا عَلَى القرب منه. أي رغبة في القرب من الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ من نافست في
الشيء منافسة ونفاسًا إذا رغبت فيه، وتنافسوا فيه أي رغبوا.