شاع فيهم وصدر عن أكثرهم) إشَارَة إلَى أنه من قبيل الإسناد المجازي بإسناد ما صدر من
البعض إلَى الكل وليس الرضاء بشرط فيه بل الشيوع فيما بينهم كاف في ذلك الإسناد. قال
الْمُصَنّف في سورة مريم في قَوْله تَعَالَى: (ويقول الْإنْسَان) الْمُرَاد به الجنس
بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقل كلهم كقولك: بنو فلان قتلوا فلانًا والقاتل
واحد منهم والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنه عام خص منه البعض بقرينة قوية .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لاَ
جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)
قوله:(أي ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة، والاستخفاف بالرسل
وأراذل الأموال)من البنات بيان لما والشركاء في الرياسة ؛ إذ لا يرضى أحدهم عن أن يشرك
في ذلك مع ادعاء الشريك للَّه تَعَالَى والاستخفاف بالرَّسُول فيهم لا يرضون باستخفاف
رسول أرسلوه إلَى غيره مع أنهم استخفوا رسل الله الْمُرْسَلينَ إليهم بالآيات والمعجزات
[وأراذل] الأموال عطف عَلَى الاستخفاف بالرسل أو عَلَى البنات، ولعله إشَارَة إلَى ما ذكر في
قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ [الْحَرْثِ] وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا) الآية. من
أنهم إذا رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوهم بآلهتهم فجعلوا أرزل الأموال له تَعَالَى مع أنهم
كرهوا ذلك وأراد الْمُصَنّف بهذا التعميم أن هذا ليس تأكيدًا لقوله: (ويجعلون للَّه البنات)
بل هُوَ عام منه كما عرفته .
قوله: (مع ذلك) أي مع ذلك الجعل المؤدي إلَى العاقبة يدعون أن لهم الحسنى
وهذا جهل عظيم مؤد إلَى عذاب جسيم ووصف ألسنتهم الكذب مُبَالَغَة في وصف كلامهم
بالكذب كان حَقيقَة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرفها بكلامهم هكذا بينه في
آخر السُّورَة الكريمة وسيجيء بيانه إن شاء الله تَعَالَى. ولو بين هنا لكان أولى .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وأراذل الأموال. إشَارَة إلَى قَوْلهم (هَذَا لِلَّهِ [بِزَعْمِهِمْ] وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) قال هناك روي أنهم
كانوا يعينون شَيْئًا من حرث ونتاج للَّه ويصرفونه إلَى الضيفان والمساكين وشَيْئًا منها لآلهتهم
وينفقونه عَلَى سدنتها ويذبحون عندها ثم إن رأوا ما عينوا للَّه أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما
لآلهتهم أزكى تركوه لها حبًا لآلهتهم وهذا من فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا
لا يقدر عَلَى شيء ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له فقوله وأراذل الأموال إشَارَة إلَى اتصال
هذه الآية بقوله عز وجل: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) وعن
بعضهم أنه قال الرجل من ذوي اليسار كَيْفَ يكون يوم القيامة إذا قَالَ الله تَعَالَى هاتوا ما دفع إلَى
السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة وإذا قال هاتوا ما دفع إلَى
فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له أما تستحي من ذلك الموقف .