الهالكة لوجب الخطاب في ولعلهم، والحمل عَلَى الالْتفَات وهو منشأ الْقَوْل الْمَذْكُور
وصحته بعيد (أجابوا به وعاظهم ردًا عليهم وتهكمًا بهم. [قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ] جواب للسؤال أي موعظتنا إنهاء
عذر إلى الله حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر. وقرأ حفص (مَعْذِرَةً) بالنصب على
المصدر أو العلة أي اعتذرنا به معذرة ووعظناهم معذرة) .
قوله: (إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك) وفيه نوع توبيخ لمن ارعوى عن الوعظ وأن
اللائق الاستمرار عَلَى الوعظ وعدم الإعراض بمجرد الأمارات الظَّاهرَة وأن الأحرى رجاء
اهتداء الضالين وإن كانوا من الأعداء المؤذين كما هُوَ عادة الأخيار المقربين .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا
بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165)
قوله: (تركوا ترك النَّاسي) ففي (فَلَمَّا نَسُوا) اسْتعَارَة تبعية (ما ذكرهم به صلحاؤهم) .
قوله: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) لما كان في حيز الشرط شيئان النسيان
والتذكير كأنه قيل فلما ذكر الصالحون ما أمر الله من تعظيم السبت والكف عن الصيد وترك
الطاغون تذكيرهم فلم يتعظوا (أنجينا الَّذينَ) الآية. وأما تقديم الإنجاء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي اعتذرنا معذرة أو وعظناهم به معذرة نشر بعد اللف .
قوله: إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك. وهم لم يهلكوا بعد فالتَّقْوَى مرجو منهم ما داموا في
قيد الحياة لا يأس منها. قال صاحب الكَشَّاف فإن قلت: الأمة الَّذينَ قَالُوا لم تعظون من أي الفريقين
هم أمن فريق الناجين أم المعذبين؟ قلت من فريق الناجين لأنهم من فريق الناهين وما قَالُوا ما قَالُوا
إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه حَيْثُ لم يروا فيه غرضًا صحيحًا لعلمهم بحال القوم وإذا
علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه سقط عنه النهي وربما رجب الترك لدخوله في باب
العبث ألا ترى أنك لو ذهبت إلَى المكاسين القاعدين عَلَى الماصر والجلادين المرتبين للتعذيب
لتعظهم وتكفهم عَمَّا هم فيه كان ذلك عبثًا منك ولم يكن إلا سببا للنهي بك، وأما الآخرون فإنما
يعرضوا عنهم إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين ولم يخبروهم كما خبروهم أو
لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم كما وصف اللَّه رسوله في قوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ)
وقيل الأمة هم الموعوظون لما وعظوا قَالُوا للواعظين لم تعظون منا قومًا تزعمون أن
الله مهلكهم أو معذبهم. إلَى هنا كلامه. قَالُوا إن في الآية قولين: أحدهما أن أهل القرية كانوا ثلاث
فرق فرقة مذنبة وهم الذين صادوا السمك وفرقة وعظوا الفرقة المذنبة وفرقة ساكتة عن الوعظ وهم
الذين قالوا لم تعظون والْقَوْل الثاني أنهم كانوا فرقتين فرقة مذنبة وفرقه واعظة لهم وحين وعظوهم
قَالُوا (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ) بزعمكم ولا شك أن الأول أظهر لأن ظَاهر الآية
تقسيم لأهل القرية إلَى القائلين لِمَ تَعِظُونَ وإلى الواعظين وإلى الموعوظين، وأما القائلين هم
الموعوظون فهو خلاف الظاهر، وَأَيْضًا لو كان قوله: (مَعْذِرَةً [إِلى] رَبِّكُمْ) خطابًا للفرقة المذنبة
لقَالُوا: (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ثم إن لفظ الآية يقتضي أن الفرقة الواعظة الناهية عن
المنكر نجت والفرقة المذنبة هلكت، وأما الَّذينَ قَالُوا لم تعظون فقد اختلفوا في أنهم من أي
الفريقين. نُقل عن ابْن عَبَّاسٍ أنه توقف فيه .