هذه المرتبة من دناءة الشأن وسفالة المكان لا يليق به الاتصاف والاتسام بسمة الطغيان
[والكبر] التكبر عَلَى القادر المنان بل لا يصح أن يتكبر عَلَى حقير الْإنْسَان فضلًا عن
المنعم الرحمن، وانكشف كمال ارتباطه بما قبله.
قَوْلُه تَعَالَى: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)
قوله: (ردع للْإنْسَان عَمَّا هُوَ عليه) للإِنسان أي مُطْلَقًا عَمَّا هُوَ عليه من كفران النعم.
قوله:(لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله بأسره، إذ لا يخلو أحد من
تقصير ما)لم يقض أي لما نافية جازمة وإن نفيها مستمر غير منقطع، ولذا اخْتيرَ لما عَلَى لم
بعد أي في هذا الزمان مع تطاول الزمان من لدن آدم، وآدم عَلَيْهِ السَّلَامُ داخل فيه أَيْضًا بأسره
أي بجميعه ظاهره أنه سبب كلي بالنسبة إلَى الْإنْسَان وصلب جزئي بالنسبة إلَى ما أمره، ولذا
قال: إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما. وقد قال أولًا من لدن آدم وهذا الاسْتغْرَاق منقول عن
مجاهد وقتادة. أي لم يقض أحد جميع ما كان مفروضًا عليه عَلَى وجه ما أمره الله تَعَالَى، وأن
الْإنْسَان لا يخلو عن تقصير ما، فإن الْأَنْبيَاء عليهم السلام قد كانت منهم زلات، كَمَا صَرَّحَ به
إمامنا في الفقه الأكبر. وقد صرح أرباب علم الْكَلَام أنه يجوز عنهم صدور الصغائر الغير
المنفرة سهوا بالاتفاق وعمدًا عند بعضهم. والكبيرة قبل النبوة جوز بعضهم صدورها سوى
الكذب والكفر كما فصل في الْكَلَام، وأما غيرهم فالأمر فيهم ظَاهر، فلا وجه لما قاله الإمام
الفخر من أن هذا الْمَعْنَى عندي فيه نظر الخ.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)
قوله: (إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية) والْمُرَاد بالذاتي ما يتعلق بالذات بنفسها
إتمامًا وهو الخلق من نطفة وتناسب الأعضاء وتسهيل المخرج والإماتة والإقبار متعلق
بالذات أيضًا وإن لم يكن له مدخل في تمام ذاته، وأما الطعام فخارج عنه غير متعلق بذاته
وإن كان له مدخل في بقائه.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)
قوله: (استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام) أي اسْتئْنَاف معاني جواب لسؤال مقدر
كأنه قيل كَيْفَ أحدث ذلك الطعام ولذا أكد بـ أنَّ، وصيغة النفي إما لتَغْليب الموجود عَلَى
المعدوم أو لكون منتظر الوقوع كالواقع أي أنَّا أنزلنا منَ السَّمَاء ماء إنزالًا.
قوله: (وقرأ الكوفيون بالفتح عَلَى البدل منه بدل الاشتمال) منه أي من الطعام بدل
الاشتمال فإن هذه الأشياء تشتمل عَلَى تكون الطعام وحدوثه لكن تحقق شرط بدل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله. لم يقض بعد من لدن آدم عليه السَّلام إلَى هذه الغاية. هذا المعنى مُسْتَفَاد من لفظ لما
الموضوعة لتوقع روي في صحيح البخاري عن مجاهد لا يقتضي أحد ما أمر أي لم يقض أحد
جميع ما كان مفروضًا عليه لأن الْإنْسَان لا يخلو عن التقصير.