قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(8)
قوله: (وما أنكروا) . نقل عن الرَّاغب أنه قال: نقمت الشيء إذا أنكرته إما باللسان أو
بالعقوبة ومنه الانتقام انتهى. فالإنكار هنا باللسان مع العقوبة.
قوله: (استثناء عَلَى طريقة قولهم) أي استثناء مفرغ أي وما [أنكروا] شَيْئًا من الأشياء أو
وصفًا من الأوصاف إلا إيمانهم، فالحصر ادعائي.
قوله:
(وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قراعِ الكتائبِ
ووصفه بكونه عزيزًا غالبًا يخشى عقابه) ولا عيب الخ. وهذا من قصيدة للنابغة وهذا
يسمى في فن البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم وهذا في البيت ظَاهر كما بُيِّن في كتب
الْمَعَاني لكن اعترض عَلَى هذا [بأن الشاعر] يعرف أن الفلول ليس مما تعاب، وأما الكفرة
فإنهم يرون الإيمان أمرًا منكرًا فالاستثناء فيه عَلَى ظاهره، وهذا غريب جدًا لأن النظم ليس
حكاية لكلام الكفرة بل هُوَ منْ عنْد اللَّه تَعَالَى بلا نقل فهو عَلَى طبق البيت الْمَذْكُور
فالإيمان باللَّه ليس مما يعاب حاشاه عن ذلك لكنه أراد تأكيد مدح الْمُؤْمنينَ بما يشبه الذم.
وحاصله لو كان الإيمان عيبًا لأثبت شيء من العيب فيكون تعليقًا بالمحال فيكون نهاية في
نفي العيب فالتَّأْكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة لأنه علق نقيض المدعي وإثبات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: استثناء عَلَى طريقة قوله: ولا عيب فيهم .. البيت. وفي الكَشَّاف: (وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ) وما عابوا
منهم وما أنكروا إلا الإيمان، كقوله: ولا عيب فيهم .. البيت. قال ابن الرقيات:
ما نقموا من بنى أميّة إلّا ... أنّهم يحلمون إن غضبوا.
أي ما أنكروا من بني أمية إلا ما هُوَ أصل الشرف والسيادة وهو الحلم عند
الغضب وكظم الغيظ. أي وما وجد فيهم عيب إلا هذا وهو المجاهد فهو كقَوْله تَعَالَى عَلَى وجه
(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا(25) [إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا)] في كونه من تأكيد الشيء
بما يشبه نقيضه أي ما عابوا إلا هذا وهو إيمانهم بالله.
قوله: ووصفه بكونه عزيزًا الخ. يعني لم يكتف بقوله (أن يؤمنوا باللَّه) بل أجرى عَلَى ذكر اسم الله
ذلك الأوصاف العظيمة وقررها بقوله: (الذي له ملك السَّمَاوَات) الآية. للإشعار الخ.
وفي الكَشَّاف:[وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزًا غالبًا قادرا يخشى
عقابه حميدًا منعمًا. يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فكل من فيهما
تحق عليه عبادته والخشوع له تقديرًا؛ لأن ما نَقَمُوا مِنْهُمْ هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في
الغىّ، وإن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب] . لفظة لأن في قوله تقريرًا لأن صلة تقريرًا
وتقريرًا مَفْعُول له لقوله ذكر الأوصاف. يعني إنما أجرى تلك الصفات العظام لتقرير أن وصف الإيمان
الذي عابوا منهم وصف عظيم له جلالة وأن من قصد من اتصف به بالانتقام والعيب كان مبالغًا في الغي
فإن من يضاد الحق الأبلج يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يساويه عذاب.