هذا تكلف بل تعسف لا يليق بجزالة النظم الكريم ولا يليق أَيْضًا بمنصب الرسالة فما
المانع من حمل النسيان عَلَى حقيقته، ولذا ذهب الأكثرون إلَى أن الأولى نسيان لما ورد في
الْحَديث الصحيح أن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قال:"كانت المرة الأولى نسيانًا فظن الخضر أنه"
صدر منه عمدًا واعتذر عَلَيْهِ السَّلَامُ بأنه وقع سهوا"إلا أنه أخرجه في معرض النهي عن"
المؤاخذة لغاية حذره عن مؤاخذته بفراقه عنه وضاع سعيه ولم يصل إلَى مرامه وهو التعلم
من العلم اللدني وقد ركب عَلَى مشاق السفر لأجله. وبالْجُمْلَة لا تؤاخذني اعتذار لا نهي
كما وقع في الدعاء نحو: (ربنا لا تؤاخذني) الخ.
قوله: (والْمُرَاد شيء آخر [نسيه] ) دون وصيته لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ لم بنس الوصية
الْمَذْكُورة فلا يلزم الكذب لأن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
قوله:(ولا تغشني عسرًا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر
على متابعتك)ولا تغشني بالغين الْمُعْجَمَة من الثلاثي عسرًا قدمه لأنه مَفْعُول به وقدم من
أمري في النظم اهتمامًا لشأنه. قوله والمؤاخذة عَلَى المنسي تنبيه عَلَى رجحان كون ما
موصولة؛ إذ المؤاخذة إنما تناسبه. قوله فإن ذلك يعسر عَلَى متابعتك ويؤدي إلَى حرمان
مقاصدنا وهو نعلم بعض ما علمت رشدًا(وعُسْرًا مفعول ثان لترهق فانه يقال: رهقه إذا غشيه
وأرهقه إياه، وقرئ عُسْرًا بضمتين).
قَوْلُه تَعَالَى: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً
نُكْرًا (74)
قوله: (فانطلقا) فذهبا يمشيان حتى إذا لقيا غلامًا.
قوله: (أي بعدما خرجا من السفينة) بدون إصابة ضرر ما بالخرق وهذا القد مفهوم
من قوله: (لقيا غلامًا) وإشَارَة إلَى أن الفاء فصيحة أي خرجا من السفينة
بعدما أراه الخضر أمرًا عجيبًا وتم المصلحة في ركوبها.
قوله: (قيل فتل عنقه) من الفتل بالفاء والتاء الفوقية وهي [اللي والإدارة] ورد ذلك كله
في الآثار والأولى عدم التعيين لعدم تعلق الغرض به ولم يتعرض له في النظم وقد حاول
البعض الجمع بينها بأنه ضرب رأسه بالحائط ثم أضجعه وذبحه ثم فتل عنقه وقلعه وهذا
جمع لا طائل تحته.
قوله: (وقيل ضرب برأسه الحائط) من باب القلب أي ضرب رأسه بالحائط والاعتبار
اللطيف بيان شدة الضرب كأنه ضرب الحائط بالرأس (وقيل أضجعه فذبحه) .
قوله: (والفاء للدلالة على أنه كما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف) إشَارَة إلَى وجه