الأبرار فيكون جمع بر كـ رب وأرباب وجمع بار أَيْضًا كصاحب وأصحاب قيل واختص
الجمع الأول بالْمَلَائكَة والثاني بالآدميين في الْقُرْآن ولسان الشارع ويخدشه أن الْمُرَاد بسفرة
الْأَنْبيَاء عَلَى تقدير وكرام وبررة صفتان للسفرة ثم الْمُرَاد بالصحف صحف الْأَنْبيَاء لقوله:
(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) وهو الظَّاهر الموافق لهذه الآية. وقيل
صحف الْمَلَائكَة المنتسخة من اللوح وهذا في الْحَقيقَة راجع إلَى الأول. وقيل صحف
الْمُسْلمينَ فيكون إخبارًا بالْغَيْب إذ لم يكن الْقُرْآن مثبتًا في الصحف زمان كونه عَلَيْهِ السَّلَامُ
بمكة. قال أبو حيان: كان الْقُرْآن يكتب في مكة في العظم وفي سعف النخل مثلًا ثم جمع
زيد بن ثابت رضي اللَّه عنه بأمر عثمان - رضي الله تَعَالَى عنه - وقد أمر عمر رضي الله تَعَالَى
عنه فيكون الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أنها تذكرة أي الْقُرْآن تذكرة مذكر كائنة مثبتة في صحف في
الأوراق التي يكتب الْقُرْآن فيها فيما سيأتي وهذا معنى صحيح لكن الموافق لقوله:(إِنَّ
هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى)الآية. وقَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)
فالْمَعْنَى حِينَئِذٍ إنها أي الْقُرْآن تذكرة مثبتة معناه في صحف في كتب
متقدمة أو مثبت ذكره في صحف متقدمة فلا إشكال ما معنى ثبوت الْقُرْآن كُلًا أو بعضًا في
كتب متقدمة منزلة عَلَى الْأَنْبيَاء.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)
قوله: (دعا عليه بأشنع الدعوات) فإن القتل أهول الحالات والعقوبات وهو دعاء
بالإهلاك فإن من قاتله الله هلك لا محالة. قوله دعاء عليه وهو طلب من ذاته أن يلعنهم
ويقتلهم وفيه مُبَالَغَة جدًا أو تعليم للْمُؤْمنينَ أن يدعوهم عليه بذلك كذا قاله في سورة
الْمُنَافقينَ في قَوْله تَعَالَى: (قاتلهم الله) وهنا جاء قتل لظهور فاعله وذكر
الْإنْسَان توبيخًا له بأنه لم يعمل بما هُوَ مقتضى الْإنْسَانيَّة ولقَوْله تَعَالَى: (ما أكفره)
فإن التَّعْبير بالكفرة لا يلائمه.
قوله: (وتعجيب من إفراطه في الكفران) معنى (ما أكفره) فإنه فعل التعجب. وفي نسخة:
وتعجب وهو مقتضى (ما أكفره) ومدلوله لكنه محال في شأنه تَعَالَى، والْمُرَاد لازمه كما أشار
إليه بقوله وذم بليغ فإنه ناظر إليه كما أن قوله سخط عظيم ناظر إلَى (قتل الْإنْسَان) فإن ظاهره
ليس بمراد لكن التعجيب اللازم للتعجب هُوَ الأولى.
قوله: (وهو مع قصره يدل عَلَى سخط عظيم وذم بليغ) أشار به إلَى أنه كلام في غاية
الإيجاز وكمال البراعة لقلة نظمه وكثرة معناه فإن (قتل الْإنْسَان) يدل عَلَى استحقاق أعظم
أنواع العقاب عرفًا وقوله: (ما أكفره) تنبيه عَلَى أنهم اتصفوا بأعظم أنواع
القبائح والمنكرات شرعًا كما قال الإمام، فيدل عَلَى إظهار كمال السخط باعْتبَار جزئه الأول
وعلى شدة الذم باعْتبَار جزئه الثاني.