وأن تقولوا عَلَى الله ما تَعْلَمُونَ عدم جوازه واستحالته في شأنه تَعَالَى ؛ إذ الافتراء هُوَ الكذب
عمدًا لكن اختير ما في النظم للمُبَالَغَة كما مَرَّ تَوضيحُهُ في قَوْله تَعَالَى(أتقولون عَلَى الله
ما لا تَعْلَمُونَ).
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ(34)
قوله: (مدة) يشير إلَى أن الأجل أجل العمر قدمه مع أن الْمُنَاسب ما أخَّره لعمومه
ولدخول وقت نزول العذاب بهم فيه دخولًا أوليًّا ؛ إذ نزول العذاب بدون انقضاء الأجل غير
واقع عندنا .
قوله: (أو وقت لنزول العذاب بهم) حمل الأجل ثانيًا عَلَى الوقت الذي هُوَ
المضروب لهلاكهم توفية لحق المقام بإفادة خصوص المرام .
قوله: (وهو وعيد لأهل مكة) بالعذاب النازل بهم كما نزل بمن قبلهم بمخالفة
أنبيائهم كونه وعيدًا عَلَى الاحتمال الثاني ويمكن حمله عَلَى الاحتمال الأول بملاحظة
دخول وقت العذاب كما أشرنا آنفًا .
قوله: (انقرضت مدتهم) ناظر إلَى الاحتمال الأول أي المجيء هنا مُسْتَعَار للانقضاء
والانتهاء. قوله مدتهم حمل الأجل عَلَى جملة المدة وقد يطلق عَلَى آخر المدة ولا يبعد أن
يحمل الأجل عَلَى ذلك الْمَعْنَى وجمع الضَّمير في أجلهم ؛ إذ كل أمة بمعنى الجمع والأجل
أَيْضًا جمع معنى فيفيد انقسام الآحاد إلَى الآحاد إما شخصًا أو نوعًا أي إذا جاء أجل
مختص بكل واحد شخصي عَلَى الاحتمال الأول أو بكل واحد نوعي عَلَى الاحتمال الثاني
مثلًا أجل قوم نوح مهلكهم واحد نوعي وأجل قوم هود وقوم صالح واحد نوعي إلَى غير
ذلك وعن هذا أظهر الأجل في مَوْضع الإضمار .
قوله: (أو حان وقتهم) ناظر إلَى الاحتمال الثاني في أجل .
قوله: (أي لا يتأخرون ولا يتقدمون) أي بناء الاستفعال لمعنى التفعل .
قوله: (أقصر وقت) معنى ساعة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو وعيد لأهل مكة. ليس الْمُرَاد بهذا الأجل العمر وإلا لكان الأنسب أن يقال ولكل
واحد أحل بل الْمُرَاد أجل عذاب الاستئصال فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى أمهل لكل أمة كذبت رسولها إلَى وقت
معين إذا جاء ذلك الوقت نزل العذاب ، ولذا قال وهو وعيد لأهل مكة
قوله: أي لا يتقدمون ولا يتأخّرون أقصر وقت. لما أوهم لفظ الساعة جواز التقدم والتأخّر
فيما دون ساعة حمل معنى السَّاعَة عَلَى أقصر وقت لا عَلَى الساعة المعتبرة عند أهل التنجيم. قال
صاحب الكَشَّاف: وقال ساعة لأنها أقل الأوقات في اسْتعْمَال العرب يعني لا اسم في عرفهم لأقل
وقت إلا السَّاعَة فلهذا ذكرها لا أنه ربما يؤخر أقل من ساعة .