وهو المأمور به دون المنهي عنه فلا حاجة إلَى التمسك بأن من يميز الحسن من
الأحسن ويختار الأحسن عَلَى الحسن يلزمه أن يميز القبيح من الحسن ويجتنب القبيح
انتهى. وكأنه لم ينظر إلَى ما سيجيء من قول المص في تفسير(وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ)الآية.
قوله: (لدينه) فالهداية بمعنى التوفيق وخلق الاهتداء بالْفعْل .
قوله: (وأُولَئكَ هم) أعيد اسم الإشَارَة للتنبيه عَلَى أن اتصافهم بتلك الصّفَة يقتضي
كل واحدة من الأثرين وأن كلًا منهما كانت في تمييزهم بها عن غيرهم ووسط العاطف
لاخْتلَاف مفهوم الجملتين هنا .
قوله: (العقول السليمة) أَشَارَ إلَى أن اللب أخص من العقل لأنه مقيد بالسلامة
الْمَذْكُورة بخلاف العقل فإنه أعم من السليم عن المنازعة وغيره، ولذا اخْتيرَ في مثل هذا
تعريضًا بأن من كان عَلَى خلاف ذلك فهو كالبهائم .
قوله: (عن منازعة الوهم والعادة) فإن للوهم تسلطًا عَلَى سائر القوى والعقل فمن
غلب عقله عَلَى الوهم كالموحد فقد فاز فوزًا عظيمًا لبقاء عقله عَلَى مقتضى الفطرة، ومن
غلب وهمه عَلَى عقله فقد خسر خسرانًا مبينًا لعدول العقل عن مقتضى الفطرة لأمور وهمية
كما في عبادة الأصنام وطلب الشفاعة منها .
قوله: (وفي ذلك دلالة عَلَى أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها) دلالة عَلَى
أن الهداية قيل هُوَ مذهب الأشعري من أن ما يفعله العبد كله من خير كالهداية وغيرها فعل
اللَّه تَعَالَى بإيجاده وخلقه فيها ومنه قبول النفس لذلك من غير تأثير فيه ولا كسب. وعند
الماتريدية بخلافه حيث أثبتوا لقدرة العبد [تأثيرًا] وسمي كسبًا. ومذهب الأشعري جبر متوسط
وفي الْحَقيقَة جبر محض كما أوضحناه في شرح المقدمات الأربع في التوضيح ودلالة الآية
عليه بقوله: (أولو الألباب) مع ما قبله وفي الدلالة نظر فتدبر .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)
قوله:(جملة شرطية معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت مالك أمرهم
فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه)جملة شرطية تمهيد لقوله مَعْطُوفة الخ. وتنبيه عَلَى أن
من شرطية هذا أحد الْقَوْلين للنحاة في مثله فإن منهم من يجعله عطفًا عَلَى مَحْذُوف دل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفي ذلك دلالة. أي في قوله عز وجل (هداهم الله) دلالة عَلَى أن
الهداية بفعل الله تَعَالَى وفي قوله: (وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) دلالة عَلَى قبول
النفس لتلك الهداية؛ لأن مقتضى اللب أن يقبل الهداية التي هي الدلالة إلَى طريق يوصل إلَى الفوز
بالسعادات ويسلك صاحبه ذلك الطريق .