فهرس الكتاب

الصفحة 10554 من 10841

قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ(22)

قوله: (كما بهته الكفرة) من البهتان أي كما تقوله الكفرة في شأنه كقَوْله تَعَالَى:(وَيَقُولُونَ

أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)وكذا قوله: (أم به جنة) وفي التَّعْبير بصاحبكم رمز

إلى أنهم يعرفون كذبهم حيث أشير إلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ نشأ بين أظهرهم ومكث فيما بينهم

أربعين سنة وكان معروفًا بالصدق والأمانة بينهم وكمال الرشد والعقل التام عندهم وبعد النبوة

لفرط حسدهم تقوَّلوا ذلك مع العلم بأنهم كاذبون في ذلك فنفيه تَعَالَى حِينَئِذٍ للتعريض بأن

القائلين هم المجنونون في الْحَقيقَة كما نبه عليه في سورة [ن] بقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ(5)

بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) الخ. وقد صرح الْمُصَنّف هناك بأن المجنون في الْحَقيقَة هُوَ

الضال وأكمل النَّاس عقلًا وأتمهم رأيًا هُوَ المهتدي فلا إشكال بأن (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)

لا فَائدَة في الخبر عَلَى ما أشير إليه بقوله صاحبكم من أنهم عارفون بأنه عليه

السلام أعقل النَّاس؛ إذ المقصود إثبات الجنون لهم في الْحَقيقَة.

قوله:(واستدل به عَلَى فضل جبْريل عَلَى مُحَمَّد عليهما السلام حيث عد فضائل

جبْريل واقتصر عَلَى نفي الجنون عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -)والمستدل هم المعتزلة ومنهم الزمخشري

فإن مذهبهم أن رسل الْمَلَائكَة أفضل من رسل البشر واستدلوا عليه بدلائل منها هذه الآية.

وجه الاستدلال إنه لما دلت عَلَى أفضلية جبْريل عَلَى رسولنا مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ دلت عَلَى

أفضلية رسل الْمَلَائكَة [على] رسل البشر؛ إذ لا قائل بالفصل.

قوله: (وهو ضعيف) أي ليس الاستدلال تامًا فلا يفيد المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: كما بهته الكفرة. من البهتان أي بهتوه بالجنون فالمقصود من الآية نفي ما اعتقدوه من نسبته

عليه السَّلام إلَى الجنون حيث قَالُوا: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) .

قوله: وهو ضعيف الخ. هذا رد عَلَى صاحب الكَشَّاف حيث قَالَ: وناهيك بهذا دليلًا عَلَى

جلالة مكان جبرائيل عَلَيْهِ السَّلَامُ وفضله عَلَى الْمَلَائكَة ومباينة منزلته بمنزلة أفضل الإنس مُحَمَّد

عليه السَّلام إذا [وازنت بين الذكرين حين [قرن] بَيْنَهُمَا وقايست بين قوله:[(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)]. وبين قوله(وما

صاحبكم بمجنون). قال صاحب الكشف: وما ذكره الأصحاب في جواب بنائه عَلَى

الموازنة فلا يدفع، وإنَّمَا الوجه فيه والله أعلم أن الْكَلَام مسوق لحقية المنزل دلالة عَلَى صدق ما

ذكر فيه من أهوال يَوْم الْقيَامَة وقد علم أن من شأن البليغ أن يجرد الْكَلَام لما ساق له لئلا يعد

الزّيَادَة لكنة وفضولًا ولا خفاء في وصف الآتي بالْقَوْل يشد من عضد ذلك أبلغ شد، وأما وصف من

أنزل عليه فلا مدخل له في البين إلا إذا كان الغرض الحث عَلَى اتباعه، فلهذا لم يترك المُبَالَغَة في

شأن جبْريل وعد صفاته الكوامل وترك ذلك في شأن نبينا - صلى الله عليه وسلم - وقال الإمام: كما أنه سبحانه وتَعَالَى

أجرى عَلَى جبْريل هذه الصفات هَاهُنَا أجرى عَلَى نبيا صلوات الله عليه وسلامه في قوله: (يَا أَيُّهَا

النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) .

فإفراد أحد الشخصين بالذكر وإجراء صفاته عليه لا يدل عَلَى انتفاء تلك الصفات عن الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت