بحسب من ظلم بالتعدي في الانتصار فإنه قلما يخلو عن التعدي فهو كالسموم يهلك
المتعاطي ولو لم يقصده والتعدي سهوًا وخطأ وإن كان معفوا لكنه ذنب يجب الاحتراز
[عنه ما] أمكن، وبهذا البيان ظهر أن الختام به أحسن من الختم بقوله: إنه يحب الْمُحْسِنِينَ أو
العافين. قوله بعد ما ظلم بصيغَة المجهول فالمصدر مضاف إلَى الْمَفْعُول (ولمن انتصر)
مَعْطُوف عَلَى (من عفا) وصدر باللام لأنه مظنة الإثم كما أوضحناه آنفًا. قوله:(إنه لا
يحب الظَّالمينَ)اعتراض لفَائدَة ذكرناها. قيل قوله (فمن عفا) اعتراض فلا
يأباه الفاء، كَمَا صَرَّحَ به النحاة فلا اعتراض عليه، فاعلم فعلم المرء ينفعه انتهى. ولا كلام
في كون الاعتراض بالفاء كما كان بالواو لكن كونه اعتراضًا غير ظَاهر فتأمل. قوله
بالمعاتبة الخ. إذا كان الانتصار بدون تعدي كما يدل عليه قوله (إنما السبيل عَلَى الَّذينَ)
الآية. قوله يبتدئونهم الخ. التعرض له لما مَرَّ من عموم مفهومه وإلا فالْمُنَاسب
يريدونَ في الانتقام ارتباطًا لما قبله. قوله أو يطلبون الخ. أي يُريدُونَ في الانتقام قوله عَلَى
ظلمهم إشَارَة إلَى الأول وبعينهم إلَى الثاني لف [ونشر] مرتب وهذا مأخوذ من تعليقه عَلَى اسم
الإشَارَة. وأَشَارَ إلَى أن أُولَئكَ لهم إشَارَة إلَى الموصول بصلته والبغي أعم هنا من الظلم عَلَى
النَّاس. قوله (بغير الحق) احتراز عن كل مقابلة الظالم المتعدي فإنه في صورة البغي لكنه بحق.
وكذا البغي المتضمن صلاحًا راجحًا كقتل الخضر الغلام وخرق السفينة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43)
قوله: (ولمن صير عَلَى الأذى) صدر باللام لأنه مظنة لعدم الوقوع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) اعتراضًا لكن الفاء في (فَمَنْ عَفَا) يمنعه
قال الطيبي: ويمكن أن يقال: إن المجازى لما نسب إلَى المساءة في قوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)
كما تقرر والمسيء في هذا المقام مفسد لما في البين بدليل قوله:(فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)وهو كما قال عدة مبهمة ومن اشتغل بالمجازاة وانتسب
إلى السيئة وأفسد ما في البين وحرم عَلَى نفسه ذلك الأجر الجزيل بل كان ظالمًا عَلَى نفسه إنه لا
يحب الظالمين وقريب منه قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ(44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) . قال الزمخشري في تفسيره:
وتكرير الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا
المؤمن الصالح. وقوله (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) تقرير بعده تقرير، على الطرد
والعكس. ويمكن أن يحمل كلامه هنا عَلَى هذا الْمَعْنَى. قوله من بعد ما ظلم لفظ ظلم عَلَى صيغة
المبني للمَفْعُول أي من بعد كونه مظلومًا فالْإضَافَة في ظلمه من إضافة المصدر إلَى الْمَفْعُول. قوله
وقد قرئ به. أي قرئ من بعد ما ظلم بدل من ظلمه.