قَوْلُه تَعَالَى: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (23)
قوله: (بإذن الله تَعَالَى وأمره والمدخلون هم الْمَلَائكَة) أي الإذن مُسْتَعَار بأمره فإنه
مستلزم للإذن الذي هُوَ تسهيل الحجاب ورفعه. وفيه إشَارَة إلَى أن دخولهم الجنة ليس
بالإيمان والعمل الصالح بل بفضل الله تَعَالَى فإنهما سبب عادي وفي التعرض لوصف
الربوبية مع الْإضَافَة إلَى ضميرهمْ مزيد اللطف بهم وتلويح إلَى ما ذكرناه فعدول المصنف
من التَّعْبير بربهم إلَى لفظة الجلال لا يظهر له وجه وجيه .
قوله: (وَقُرئَ أدخل عَلَى التَّكَلُّم) بطَريق إسناد الْفعْل إلَى الآمر وفيه تشريف لشأن
الموحدين وحث عَلَى المبرات للغافلين .
قوله: (فيكون قوله:(بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) متعلقًا بقوله: (تَحِيَّتُهُمْ فِيها) الآية)
قيل قال أبو حيان: فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدري والْفعْل عليه وهو غير
جائز. وأُجيب بمنع كونه منحلًا إليهما وعلى تقدير تسليمه يجوز أن يراد التعلق المعنوي
ويكون العامل فيه بحسب الصناعة فعلًا يدل عليه تحيتهم أي يحيون بإذن ربهم. وفي كلام
الْمُصَنّف إشَارَة إليه انتهى. وفيه بعد لا يخفى ؛ إذ المُتَعَارَف في مثل هذا أن يقال فيكون متعلقا
بمَحْذُوف دل عليه تحيتهم، فالأولى في الْجَوَاب أن يقال إن هذا التأويل في المصدر المنكر
دون المعرف كما تقرر في النحو، وَأَيْضًا قال الرضي: إنا لا ندري منعًا من تقديم معموله عليه
اذا كان ظرفًا أو يشبهه. كذا قاله مَوْلَانَا سعدي في سورة والصافات. والعجب منه أنه تمسك هنا
بالوجه الواهي مع تصريحه هناك بالْقَوْل الوافي. ولعل الْمُصَنّف اختار هنا ورضي ما قاله
الرضي حتى نقل بعض شراح النحاة إن المرضى عند البيضاوى ما اختاره الرضي .
قوله: (أي تحييهم الْمَلَائكَة بالسلام) أي يقولون (سلام عليكم بما صبرتم)
كما في سورة الرعد قد جوز في سورة يونس في قَوْله تَعَالَى:(تحيتهم فيها
سلام)الآية. كون التحية بينهم بعضهم بعضًا وهنا يحتمله عليه أَيْضًا
قوله: (بإذن ربهم) أي بتيسيره وإرادته أو بأمره .
قوله: (ألم تر) خطاب للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ والرؤية إما قلبية أي أَلَمْ تَعْلَمْ أو بصرية
تنزيلًا له منزلة المحسوس ادعاء ومُبَالَغَة في كمال ظهوره. وقول من قال وقد علق بما بعده
من قوله كَيْفَ ضرب الله يؤيد كون الرؤية قلبية .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فيكون قوله بإذن. أي فعلى قراءة أدخل عَلَى صيغة التَّكَلُّم وحده يكون بإذن ربهم
متعلقًا بمعنى التحية في تحيتهم ولذا قدر الْفعْل الاصْطلَاحي حيث قال أي يحييهم الْمَلَائكَة. أقول:
يجوز أن يكون بإذن بهم عَلَى هذه القراءة متعلقًا بـ أدخل أَيْضًا عَلَى أن يكون ربهم التفاتًا من التَّكَلُّم
إلى الغيبة وكان مقتضى الظَّاهر أن يقال [حِينَئِذٍ] بإذني لكن وضع المظهر مقام المضمر دلالة عَلَى أن
إدخالهم في مثل هذا النعيم المقيم هُوَ مقتضى التربية الْإلَهيَّة والعطية الربانية .