قوله:(إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه
فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله تعالى وكرمه هذا وإن البخلاء أغلب فيهم)فإنه تَعَالَى
الفياض المطلق يعطي لا لغرض ولا لعوض، وأما الْإنْسَان فهو إما ممسك أو منفق لغرض
دينوي مائي أو الذكر الجميل أو مزيل لرقة الجنسية أو حب المال عن القلب أو غرض
أخروي يريد به جزيل ثواب فهو مستفيض وما كان لعوض كان مبادلة لا إنفاقًا محضًا
فحِينَئِذٍ يطلق عَلَى مثله البخيل والسخي بالْإضَافَة. والمشهور في الشرع أنه لا يطلق عَلَى من
آثر غيره البخيل وقد أثنى الله تَعَالَى عليه بقوله:(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
كَيْفَ يقال إنه شحيح بخيل غاية الأمر أن جوده بالنسبة إلَى جوده تَعَالَى غير كامل لأنه
مستعيض، وأما الجواد الحقيقي البالغ في الجود والعطاء فمختص به تَعَالَى، وأَيْضًا يلزم
الجمع بين البخيل الممسك وبين البخيل المنفق فلا جرم أن هذا الاحتمال ضعيف والأولى
ما أشار إليه بقوله من البخلاء أغلب فيهم فيكون من قبيل إسناد ما هُوَ للبعض إلَى الكل
لأن البخل واقع فيما بينهم وإن لم يخل كلهم.
قوله:(بخيلًا لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما
يبذله)بخيلًا الخ. إن أريد به الجنس فتوجيه ما ذكر من الإسناد المجازي أو بالنسبة إلَى
جوده تَعَالَى كما ذكره كان أريد به المعهود فالأمر ظَاهر، وهذه الْجُمْلَة تذييلية مقررة لما قبله
والارتباط بما قبله أنه لما قَالُوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) حتى نتوسع
في المعيشة. أجيبوا بأنه لو توسعتم لبخلتم أَيْضًا حتى أمسكتم عن إنفاق ما يجب إنفاقه
كالإنفاق عَلَى العيال.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ
فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (101)
قوله:(هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر
وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل. وقيل الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان
الثلاثة الأخيرة)العصا قدمها لأنها الآية الكبرى ثم اليد هذا الْقَوْل لابْن عَبَّاسٍ رضي الله
تَعَالَى عنهما والثاني للحسن رحمه الله، ولذا قدم الأول عَلَى الثاني، أو ما قيل إن الثلاثة
الأخيرة أوتيها مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بعضها بعد هلاك فرعون وبعضها عند هلاكه. وقوله(مَا
أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)الآية. يقتضي أن الآيات التسع المشار إليها في حياته